الجزائر
باحثون يؤكدون أهمية إدراج القرار الوزاري في المدارس العليا:

تدريس “تاريخ الجزائر” والوطنية.. خطوة نحو تحصين الهوية في الجامعة

إلهام بوثلجي
  • 161
  • 0
ح.م
تعبيرية

في خطوة تهدف إلى تحصين الذاكرة الوطنية والوعي لدى نخب المستقبل، رحب باحثون في التاريخ بقرار وزارة التعليم العالي والبحث العلمي القاضي بتعميم إدراج مادتي “تاريخ الجزائر” و”الوطنية والمواطنة” ضمن المناهج التعليمية لطلبة المدارس العليا، مؤكدين دورها المحوري في تعزيز الوعي القومي والتصدي لأي محاولات لتزييف التاريخ وتشويه الذاكرة الوطنية والسطو عليها.
شهدت عروض التكوين خلال السنوات الأخيرة في إطار الإصلاحات التي تبنتها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي عدة تعديلات وتغييرات، فمن تعميم الإنجليزية ومادة المقاولاتية في كل التخصصات والفلسفة لطلبة الدكتوراه من دون استثناء وبعدها الذكاء الاصطناعي إلى إدراج مادتي “تاريخ الجزائر” و”الوطنية والمواطنة” لطلبة المدارس العليا بالقطب التكنولوجي لسيدي عبد الله خلال الموسم الجامعي 2025-2026، لتعمم التجربة تدريجيا على باقي المدارس العليا خلال الدخول الجامعي المقبل، وهذا ضمن مقاربة تشاركية وإستراتيجية لتقارب التخصصات وانفتاح الطلبة وإطلاعهم على مختلف العلوم مهما كانت تخصصاتهم في الجامعة، ومساعدتهم على التفكير النقدي والاندماج في عالم المقاولاتية، فضلا عن التعرف على مختلف التكنولوجيات الجديدة في عالم الذكاء الاصطناعي، وصولا إلى تعزيز روح المواطنة والوعي بتاريخ الجزائر للحفاظ على الذاكرة الوطنية، وتنشئة جيل واع بماضيه وتاريخه، وهذا من خلال قرار تعميم تدريس مادتي “تاريخ الجزائر” و”الوطنية والمواطنة” على كافة المدارس العليا عبر الوطن، وهو القرار الذي أعلن عنه وزير التعليم العالي والبحث العلمي كمال بداري في مجلس الأمة خلال عرضه على الأسئلة الشفوية.

داودي: ترسيخ الوعي الوطني والمسؤولية لدى الأجيال الصاعدة
وعن خلفيات قرار تعميم تدريس مادتي تاريخ الجزائر والمواطنة والوطنية على كافة المدارس العليا، قال عبد الجبار داودي، مستشار وزير التعليم العالي والبحث العلمي، المكلف بالإعلام الرقمي والمعلومة الإحصائية، في تصريح لـ”الشروق”: “إننا اليوم وأكثر من أي وقت مضى بحاجة ماسة إلى قيمنا المرجعية والتمسك بها، باعتبارها حصنا يحمي هويتنا ويعزز تماسك مجتمعنا في مواجهة المد المتسارع الذي تفرضه تكنولوجيات الإعلام والاتصال”، وواصل: “إن ترسيخ الوعي الوطني وتعزيز ثقافة الانتماء والمسؤولية لدى الأجيال الصاعدة بات ضرورة إستراتيجية لا تقتصر فقط على الأسرة والمدرسة فحسب بل تشمل كذلك الجامعة الجزائرية باعتبارها فضاء لصناعة النخب وتكوين المواطن الواعي بقيمه ومقوماته الشخصية الحضارية”.

التصدي لأي محاولات لتشويه التاريخ والسطو عليه
وأشار مستشار وزير التعليم العالي إلى أن الهدف من تعميم تدريس مادتي “تاريخ الجزائر” و”الوطنية والمواطنة” تدريجيا على باقي المدارس العليا عبر الوطن بعد انطلاق تدريسهما كخطوة أولى في المدارس العليا للقطب التكنولوجي بسيدي عبد الله خلال الموسم الجامعي الجاري، يكمن في تعزيز الوعي الوطني وترسيخ الانتماء للوطن، ومن ثمّ، التصدي لأي محاولات لتشويه التاريخ والسطو عليه .
وأضاف داودي: “إن استحضار الذاكرة الوطنية والتشبث بالموروث الثقافي والحضاري لا يتعارضان مع الانفتاح على العالم ومواكبة التطور العلمي والتكنولوجي بل نرى أنهما يشكلان أساسا متينا للانفتاح”، وأردف: “إن الوعي المتوازن يتيح الاستفادة من مكتسبات العصر مع الحفاظ على الخصوصية الوطنية والثوابت الجامعة للأمة”، وأكد ذات المتحدث أن وزارة التعليم العالي ترى في التاريخ مادة مهمة لأنها عصب أي مجتمع وركيزته التي ترمي لترسيخ الهوية الوطنية، وهذا بما يحتويه التاريخ -يقول- من فهم لسياقات الماضي من أجل قراءة للحاضر واستشراف للمستقبل.

زغيدي: الوزارة تسعى إلى بناء مواطن وطني معول عليه لترقية البلاد
وإلى ذلك، رحب رئيس اللجنة الجزائرية للتاريخ والذاكرة، الدكتور محمد لحسن زغيدي، في تصريح لـ”الشروق” بقرار وزارة التعليم العالي والبحث العلمي قائلا: “هذا القرار نباركه ونثمنه خاصة وأنه صدر في مجلس الأمة أمام ممثلي الشعب”.
وتابع زغيدي: “هذا القرار ينم عن تجسيد مبدأ الوفاء لرسالة الشهداء ويؤكد على أن الدولة الجزائرية، وعلى رأسها رئيس الجمهورية، تسعى إلى تحصين الأجيال اللاحقة بحصانة نوفمبر المجيد وجعل الذاكرة الوطنية أساس حياة لكل فرد جزائري خاصة النخب الوطنية المتخرجة من المدارس العليا”.
ويرى المؤرخ زغيدي بأن التاريخ هو الحصن النابض الضامن للفرد والدافع لبناء الوطن وترقيته، لأن الإنسان الكامل -حسبه- هو ذلك الإنسان الذي يتغذى بمرجعية وطنية ويعتز بمواطنته، فيكون بذلك خير خلف لخير سلف، مشيرا إلى أن وزارة التعليم العالي، بتبنيها قرار تعميم إدراج مادتي “تاريخ الجزائر” و”المواطنة والوطنية” على كافة المدارس العليا، هي “فعلا تسعى إلى بناء ذلك المواطن الوطني المعول عليه لترقية البلاد في كل مجالاتها وللذود عنها من كل حملات التشويه والتحريف”.
وقال زغيدي إن هذا القرار نابع من مسؤولية الدولة تجاه أبنائها، للعمل على حماية الشعب وحصانة الأجيال بما يجعلها ثابتة في وجه كل المتغيرات والمؤثرات التي تستهدف كيانها ووجودها، وهو ما تضطلع به الدولة الجزائرية الجديدة حاليا -يضيف- فموازاة مع التنمية الشاملة تأتي التنمية البشرية، التي تعد الجامعة هي رائدتها في تكوين ذلك المواطن الذي يحافظ على هذا المجهود والبناء، ساعيا دائما لجعل الجزائر رائدة كما حلم بها الشهداء عن طريق إحياء الذاكرة في ذاته وجعل التاريخ الوطني محل فخره واعتزازه ودافعه نحو الافضل لتحقيق مستقبل أفضل .

عاشور: التاريخ قضية العام والخاص.. وهو صمام الأمان للجزائر
ومن جهته، يرى أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بـ”جامعة البليدة 2″، البروفيسور محفوظ عاشور، في حديثه لـ”الشروق” أن تعميم إدراج مادتي تاريخ الجزائر والوطنية والمواطنة في عروض التكوين بالمدارس العليا على اختلاف تخصصاتها عبر الوطن هو قرار صائب وكان منتظرا، ليقول: “التاريخ لا يخص فئة من المجتمع ولا مرحلة من مراحل التعليم لأن تاريخ الجزائر هو قضية العام والخاص هو صمام الأمان للجزائر”، وتابع: “إذا كان التاريخ هو صمام الأمان للأمة، فإن المواطنة تمر عبر معرفة تاريخ الدولة ماضيها وحاضرها”.

لا يمكن تحقيق التطور بعيدا عن تجارب الماضي
وأكد الباحث في التاريخ أن تعميم مادتي تاريخ الجزائر والوطنية والمواطنة على كل التخصصات هو شيء ضروري “لأننا لا نستطيع أن نحقق التطور المنشود بعيدا عن تجارب الماضي والتاريخ الوطني، والذي يثبت أن الجزائر لها مكانة في كل المجالات، ويرمي لتثمين دور الجزائر في الماضي والحاضر وتشجيع الشباب على الاهتمام بتطوير الجزائر أسوة بالتجارب السابقة”.
وذكر في السياق الباحث عاشور بالتضحيات التي قدمها طلبة الجزائر خلال الثورة، قائلا: “اليوم عشية الاحتفال بعيد الطالب، نعيد ونذكر أن الطلبة الجزائريين أثبتوا وطنيتهم من خلال الثورة التحريرية وأرخوا لمساهمتهم يوم 19 ماي 1956 في التحرر، واليوم هم من يعول عليهم في بناء الجزائر الجديدة”. وأضاف المتحدث أن “قرار تعميم تدريس التاريخ يتزامن وذكرى 19 ماي وهو العيد الوطني للطالب، فمن غير المعقول أن يدرس التاريخ في كل المستويات ويتوقف في الجامعة التي تخرج إطارات الجزائر”.
وتابع: “لما لا ندرج هذه المادة في كل التخصصات وليس فقط في المدارس العليا؟ ولا نكتفي بتلقينها عن طريق السرد فقط، بل الأهم أن نتوقف عند الأحداث المهمة ونجري لها قراءة وتحليلا مما يعزز الوطنية والمواطنة لدى شبابنا والشعب الجزائري لأن هذا الإجراء بات اليوم ضروريا للحفاظ على وحدة الشعب والوطن”.

ضرورة مجابهة حملات التشويه التي تستهدف بلادنا
وأشار البروفيسور عاشور إلى أن الخطر الذي تمثله حروب الجيل الخامس ومنصات التواصل مع انتشار الأخبار المضللة والتزييف العميق يدعونا أكثر من أي وقت مضى للتسلح بالوطنية والمواطنة والتشبث بتاريخ الجزائر لمجابهتها. وأكد أن “العالم اليوم عبارة عن قرية واحدة ولا يمكننا أن نوقف تطور وسائل التواصل الاجتماعي وسرعتها، لكن يمكن أن نطوعها لخدمة مصلحة الوطن خاصة في ظل الحروب المعلنة باستخدام التزييف والتضليل على مقومات وتاريخ الجزائر في كل المجالات: التاريخ الاجتماعي، الاقتصادي، الثقافي، الثورة التحريرية، تاريخ الجزائر المستقلة”.
ثم واصل الباحث كلامه: “الكل يعي ويعرف المناورات التي تقودها جهات معروفة من أجل المساس بمكانة الجزائر ومبادئها ومواقفها على الساحة الدولية ومن ثمّ، فإن الاهتمام بتلقين تاريخ الجزائر والوطنية والمواطنة بات ضرورة ملحة للتصدي لحملات التشويه والحروب التكنولوجية التي تستهدف بلادنا وتاريخها”، وأكد ذات المتحدث أن إدراج هاتين المادتين لا يخص فقط طلبة المدارس العليا، بل يخص كل إطارات الجزائر الذين ينبغي أن يكون لديهم وعي ومعرفة بتاريخ بلادهم للتصدي لكل من يريد أن يمس باستقرار وأمن الجزائر دولة وشعبا.

مقالات ذات صلة