الجزائر
24ساعة في حياة حراڤ

تذكرت محاجب أمي فنذرت نذرا في عرض البحر

الشروق أونلاين
  • 2189
  • 0
ح.م

تبدأ الأوهام عادة بحلم جميل، ننمقه مع مرور السنين، نركض وراء سراب الهجرة، لنوهم أنفسنا بأننا سنتغير بمجرد أن تطأ أقدامنا أرضا قدسناها، وهي لا تساوي حفنة تراب من أرضنا… نركب الزوارق ونغامر كالسندباد البحري، لكن دون بوصلة ولا خارطة، لا نحمل معنا سوى تميرات ودموع أمهات في قارورة.. يهيج البحر، وتحطم الأمواج أجسادنا النحيلة، فنغرق، فيحمل التيار ما تبقى من أحلامنا، ويرميها على شاطئ الموت…

هو بحر الطوفان، الذي تغنى به العنقيس والزاهي، غمر البيوت الجزائرية، وأخذ خيرة شبابها كهدية يجب دفعها لدفع غضبه… في كل بيت حكاية “أم”، كرهت البحر، بعد أن انتزع منها ابنها البكر، وأخرى كانت تحضر الكسكي في يوم جمعة، فصعقت بخبر خروج ابنها المازوزي حراڤا، لا مهاجرا… من بين القصص الكثيرة، هذه قطع من تاريخ، وددنا أن يمحوها المد، ويعيدنا الجزر إلى ماضينا الجميل.

مذكرات حراڤ سابق

يروي لنا فاتح حكايته مع الحرڤة بحرقة.. “بدأت التخطيط لرحلتي، قبل نحو سنة كاملة، ادخرت فيها كل دينار أكسبه من البيع والشراء، وجمعت مبلغ 16 مليون سنتيم، لم أكن أدري أن لي كل هذه الطاقات، فلم أجمع هذا المبلغ في ثلاث السنوات الماضية، التي لم يكن يراودني فيها حلم الهجرة إلى فرنسا أو إيطاليا… في صباح اليوم الموعود، بعد أن اتفقت مع صديقين لي، على الالتقاء أمام المحطة، بقيت طويلا أنظر إلى أمي، التي لم تكن تدري بمخططي، وكانت في مزاج مرح، خاصة أنها رأت مداومتي على العمل في الآونة الأخيرة…

تنهد فاتح، وزفر زفرة الندم مكملا: “خرجت من البيت عند الزوال باكيا، ولحقت بصديقيّ عادل، وأمين الذي خرج من السجن لتوه بتهمة تعاطي الزطلة، انطلق بنا القطار من العاصمة إلى عنابة.. وفي المحطة، استقبلنا صديق ثالث، أسامة.. لتكتمل شلتنا الرباعية، فبعد أن جمعتنا المدرسة بالعلم، هاهي مدرسة الحياة تمتحننا من جديد… كان أسامة هو المكلف بدفع المبلغ إلى صاحب البوطي، الذي كنا نجهل اسمه، وكان يطلق على نفسه “سبارو”، نسبة إلى شخصية الفيلم… وجهتنا القادمة شاطئ سيدي سالم الجميل، حيث كان ينتظرنا سبارو وجماعة من باب الواد وتبسة وآخرون لم يذكروا من أي مدينة ينحدرون… كانت الأحوال الجوية سيئة لسوء حظنا، وأجبرنا على الانتظار ست ساعات، استغللناها في جرد أغراضنا من تمر وماء وشوكولاطة سوداء وبعض الفوميجان نستعملها في حالة الطوارئ.. أما صاحب القارب، أو القبطان المزيف، فكان يرتب عبوات المازوت الإضافية، المقدرة بـ140 لتر.

واصل فاتح سرد روايته، وكأنه باب من رواية جول فرن “20 ألف فرسخ تحت البحر”: “انطلقنا أخيرا، فشغل عادل كاميرا موبايله، وكانت أول جملة دوت في الفيديو: “رانا خليناهالكم”.. قالها أحد الركاب، الذي حفرت المخدرات في وجهه خنادق من التجاعيد… كان من المفترض أن تدوم الرحلة بين 15 إلى 17 ساعة إلى شاطئ كالياري الإيطالي…

“توحشت يما وبابا”

في عرض البحر، تحولت العزيمة إلى ذعر شديد، بعد أن نفد الوقود بسرعة كبيرة، وبقينا مدة يومين إضافيين دون ماء ولا أكل… في صباح اليوم الثالث، لمحنا قارب صيد، فأشعلنا الفوميجان، لكنه رفض مساعدتنا، خوفا أو عنصرية… أدركنا عندها أنه لا أمل لنا في النجاة.. تذكرت حينها أمي ومحاجب أمي وصوت أبي وهو يوبخني لأني تأخرت في العودة إلى البيت.. رفعت عندها يدي داعيا الله أن ينجينا، ونذرت إن أنا نجوت، أن أعود إلى باب الواد، وسأعمل، وأساعد أمي وأبي، وأنشئ حياة جديدة… لم تمض ساعة، حتى طوق بوطينا الكئيب مركب خفر السواحل الإيطالية، الذي انتشلنا بفضل الله من موت محقق… وصلنا إلى شاطئ الأمان وتم حجزنا، غير أن عادل وأسامة تمكنا من التسلسل والهرب وبقيت مع أمين… التفت إليه وأخبرته أني أنوي الرجوع، والدموع تنهمر وديانا على وجنتي “توحشت يما وبابا”… وفعلا عدت إلى الجزائر، منفذا نذري، وشاءت الأقدار الربانية أن أعمل في وكالة سياحية، وأصبحت أسافر في الطائرة.. لا على بوطي حقير”.

يا بحر الطوفان.. إلى متى؟

هي حكاية من الحكايات، التي انتهت نهاية سعيدة، بين المئات التي بقيت مفتوحة على ألف سؤال، ولا يسعني إلا أن أتذكر كلمات الباجي….

من السفينة بقاو غير شي لوحات مرفوعين فوق الموجات

تما عرفت حبيبي مات ارحمه يا رحمان…

كل جمعة نزور الموجات ندي معايا شي وردات

ننشرهم فوق الحجيرات هذا وعد الرحمان

يا بحر الطوفان.

مقالات ذات صلة