تراجع في أعداد الحراقة بسبب الحراك الشعبي
انعكس الحراك الشعبي الذي تشهده بلادنا هذه الأيام على روتين الحياة، فأصبح القلق والترقب يطبع يومياتهم ويشغل تفكيرهم، حتى مشاهد الحراقة المتعودين على شق المتوسط على شكل قوافل للوصول إلى الضفة الأخرى، غابت عن المشهد العام، ولم تعد صورهم منتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي “الفايسبوك”، ولا حتى مصالح الأمن تفكك الشبكات المختصة فيها، وكأن المسيرات أنعشت الأمل في التغيير.
عرفت ظاهرة الحرقة تراجعا محسوسا هذه الأيام، حيث ألقت المظاهرات الشعبية واحتجاجات المواطنين المطالبين بالتغيير بظلالها على المهاجرين غير الشرعيين، الذين فضلوا التريث وعدم مغادرة الوطن في ظل الظروف الراهنة والانتظار لعل التغيير سيحصل وسيتمكنون من تحقيق كل أحلامهم وآمالهم وتوقعاتهم ولو على المدى البعيد على أرض الوطن، دون أن يضطروا إلى الغربة أو خوض مغامرة مجهولة النتيجة قد تنتهي بوصولهم إلى أوروبا أو يموتون غرقا بين أمواج المتوسط وتلتهم الحيتان أجسادهم كما تلتهم أمانيهم.
وكانت صور المهاجرين غير الشرعيين قد اكتسحت على مدار العام الماضي، مواقع التواصل الاجتماعي حيث أصبحت هناك صفحات خاصة تنشر صور الحراقة وهم يتأهبون لمغادرة أرض الوطن على متن زوارقهم من مختلف شواطئ الوطن، بعدما كانت الظاهرة محصورة على الشواطئ الشرقية والغربية فقط لتصبح جميع موانئ الوطن منطلقا للشباب الراغب في خوض هذه المغامرة المحفوفة بالمخاطر وغير محسوبة النتائج، كما ساهمت خدمة البث المباشر في نقل صور ومقاطع فيديو حية للشباب عند رحيلهم وكذا لدى وصولهم إلى أوروبا لطمأنة أهاليهم ومعارفهم بمضي الرحلة على خير.
ووفر الحراك الشعبي الفرصة للشباب الراغب في التغيير للتعبير عن آمالهم ومعاناتهم في صرخة واحدة من رحم الشارع لتصل مباشرة إلى المسئولين دون أي واسطة، لتزيد المظاهر والصور الحضارية للاحتجاجات وانبهار العالم بأسره من النظام والتناسق والنظافة والوعي الكبير الذي يتحلى به هذا الشعب، في زيادة تمسك الشباب بوطنه وتفضيلهم البقاء فيه في هذه الظروف والمرحلة العصيبة إلى حين تحقيق متطلباتهم.
وبالرغم من أن قوافل المهاجرين غير الشرعيين قد اختفت ولم تطالعنا مصالح الأمن منذ تاريخ 22 فيفري الماضي، عن أرقام جديدة أو إحصائيات حول توقيفات في صفوفهم، غير أن الظاهرة كانت حاضرة بقوة في المسيرات من خلال صور بعض الحراقة الذين لفظوا أنفاسهم في البحر، فحمل أولياؤهم وأهاليهم صورا للتعبير عن رفضهم الأوضاع السائدة، التي أرغمت الشباب على خوض مغامرة نحو المجهول، ومن خلال الأغاني التي رددها المتظاهرون، وهي في الغالب أغان رياضية تعبر عن حجم الألم والمعاناة الكبيرين الذين يعيشهما الشباب في وطنه.
وفي تفسير للظاهرة، يقول المختص في علم الاجتماع، الدكتور سعدي الهادي، بأن المجتمع بأكمله في حالة انتظار، فالجميع يترقب نهاية الأحداث الحالية، وهو ما انعكس على العديد من النشاطات الاجتماعية التي تراجعت وتيرتها وأصبحت بطيئة ومجمدة، وحتى الحرقة هي الأخرى اختفت من المشهد الاجتماعي، ويضيف المختص بأن هذا الانتظار منحهم نوعا من الأمل في حدوث تغيير، فالمجتمع الذي كان يعيش حياة روتينية رتيبة، وقد تعود أفراده على نمط حياتهم اليومي، فالبطال تعود على البقاء دون عمل، والمريض تعود على البقاء دون دواء وغيرها من مختلف طبقات المجتمع، تغيرت حياتهم فجأة وأصبحوا ينتظرون حدوث شيء ما سيبدل حياتهم بأكملها.
وكشف المختص عن وجود حالات لمسافرين بطريقة عادية فضلوا أيضا البقاء في الوطن، فالحراك الشعبي يعكس حبهم لوطنهم ورغبتهم في العيش هنا، وهي حال الحراقة أيضا، الذين انتعشت آمالهم وأحلامهم المؤجلة أصبحت هناك إمكانية لتحقيقها، ففضلوا التريث وإخراج مكبوتاتهم من خلال التحدث والتحاور والتخلص من كل العقد التي تنغص عليهم حياتهم، وكذا الشحنات السلبية فبدؤوا في التفكير في حلول ومخرج لها بدل الحلول السريعة والمهلكة كالحرقة، فوجودهم في وسط أشخاص يعانون من ذات المشكل وتخاطبهم معهم يمكنهم من تخطي همومهم والعثور على حلول لها.