الرأي

ترامب لا يملك رسم الجغرافيا في الصحراء الغربية!

منذ صدور القرار الشكل 2797 عن مجلس الأمن خريف العام الماضي، ظلّ نظام الاحتلال المغربي يمنّي النفس بانتصارات دبلوماسية وهميّة في قضية النزاع مع الصحراء الغربية، مستغلا سياسيا وإعلاميا موقف الإدارة الأمريكية المنحاز في الظاهر لأطروحة “الحكم الذاتي”.

لكن دوائر المخزن بالغت في استثمار موقف أمريكي قديم متجدد ولا أثر له عمليا في تسوية النزاع الاستقلالي، لأجل التنفيس عن وضع داخلي منفجر منذ نهاية عام 2020 على خلفية الانحياز المخزي للكيان الصهيوني حتى في عزّ العدوان الهمجي على غزة، وبسبب حالة الاحتقان الاجتماعي والاقتصادي المتواصلة في الصعود.

لقد حاول النظام المغربي بكل المناورات الهشّة تصوير الموقف الأمريكي، المسوّق أمميا، أمام الرأي العام الداخلي، على أنه تفوّق دبلوماسي على الجزائر، مع أن هذه الأخيرة ليست طرفا مباشرا في نزاعه مع الصحراويين، إلا باعتباره مسألة تحررية تدعمها من حيث المبدأ، من منظور سياستها الخارجية القائمة منذ 1962، وترافع لتسويتها تحت البند السابع للأمم المتحدة، ضمن قضايا تصفية الاستعمار، وفق الإرادة الحرة للشعب الصحراوي.

اليوم وبعد قرابة عام كامل من صدور القرار المشار إليه أعلاه، وعقب جولة مفاوضات بين الطرفين لم تفض إلى شيء، خرج كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس، بحوار إعلامي صادم للمخزن، حمل 4 رسائل من “البيت الأبيض” تنسف رواية الانتصار الكاذب وتعيد صياغة الوضع بشكل منطقي لا يتجاوز الواقع على الأرض.

بولس قالها بشكل صريح لا يحتمل التأويل: “إنه لا يوجد في الوقت الراهن أي حل يمكن الإحساس به أو لمسه، وإن الإدارة الأمريكية تنتظر ملاحظات “البوليساريو” حول المقترحات المطروحة”.

ولمزيد من الوضوح، شدد المسؤول الأمريكي على أن بلاده “لا تتعامل مع المسار بمنطق فرض نتيجة مسبقة أو تحديد موعد نهائي للحسم”، مبددا بذلك كل أوهام المخازنة في إدماج الصحراء الغربية عنوة في القريب العاجل، تحت غطاء مجلس الأمن.

أما عن الجزائر المتهمة زورا من المغرب، بكونها تعرقل الحل في المنطقة، فقد جاء الردّ والدفاع عنها من ممثل القوة المحتمى والمحتفى بها، عندما وصفها مسعد بولس بأنها “شريك واشنطن الموثوق”، مثنيا على دورها البنّاء في الملف، فهي، على حد تعبيره، “لا يمكنها فرض أي حل على الصحراويين، لكنها تستطيع التشجيع وهو ما تفعله الآن”.

وبذلك، يثبت ما قاله الصحراويون وكل الأحرار من أصدقاء القضية عبر العالم، وهو أن لا ترامب، ولا غيره، يملك رسم الجغرافيا والسيادة على أقاليم الحرية، أين الشعوب وحدها من تقرّر مصيرها بيدها مهما طال زمن الاحتلال والعدوان.

بهذا الصدد، ينبغي التذكير، حتى لا تنطلي أكاذيب دبلوماسية التضليل على الرأي الإقليمي، أن الولايات المتحدة الأمريكية حليف تاريخي للمخزن في احتلاله للصحراء الغربية، وبذلك لا قيمة اليوم ولا غدا لتجديد الإعلان عن موقفها في موازين القوى على الأرض بين الطرفين.

لقد ظلّ المغرب منذ 1975 يضغط على الأمريكيين مصورا استقلال الصحراء الغربية على أساس أنه تأسيس لدولة شيوعية في مجال جيو-استراتيجي للعالم الرأسمالي، ثم انتقل هذا الابتزاز إلى أوروبا، حتّى أصبحت تتخيل خيول الشيوعية واقفة عند جبل طارق، على حدّ تعبير الكاتب الصحراوي حمدي يحظيه.

لذلك اشتغلت واشنطن، من داخل الكواليس الدولية، لتوطين الاستعمار المغربي، إذ رأت أنه من الأحسن إدخال القضية تحت المظلة الأممية، يتم من خلالها تشريع الاحتلال تماماً، مثلما حدث في فلسطين، على أن تعود في الأخير لصالح المغرب، مثلما قال الرئيس الأمريكي فورد عام 1976.

ومثله صرّح هنري كيسنجر في مناسبة أخرى أنه “يجب ترك قضية الصحراء الغربية بيد الأمم المتحدة، بضمانة أن يحصل عليها المغرب في الأخير”.

ومن أجل ذلك، ظلت الولايات المتحدة تسند الاحتلال المغربي في مجلس الأمن، خاصة مع نهاية السبعينيات من القرن العشرين، لإنجاح مشروع التطبيع بين “إسرائيل” والعالم العربي وضرب القضية الفلسطينية، في إطار ترتيبات قمة كامب ديفيد سنة 1978.

الجميع يعلم أن الحسن الثاني كان يومها هو الوسيط بين مصر والكيان الصهيوني، وبنجاح مهمته لصالح “إسرائيل”، كافأته أمريكا بالتموين بالسلاح وتعطيل القرارات في مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة ضدّ الصحراء الغربية.

إنّ الموقف الأمريكي المتجدّد أمميا في خريف 2025 لا يخرج عن السياق سالف الذكر، فهو يجري ضمن مخرجات اتفاقات التطبيع العلنية منذ ديسمبر 2020، ولا شكّ أن المغرب قد وجد الفرصة مواتية مع اندلاع “طوفان الأقصى”، لتقديم خدمات إضافية على حساب المأساة الفلسطينية، مقابل استغلال “التحيّز” الأمريكي في التسويق لنتائج التحالف مع الصهيونية والتخفيف من عبء الضغط الشعبي.

خلاصة القول أنّ تغريدات ترامب وقرارات مجلس الأمن الباطلة وخرائط الاحتلال الوهمية، لا يمكنها في كل الأحوال تغيير مجرى التاريخ نحو الوراء، لأنّ الاستعمار صفحة سوداء بالية، لم يُعد من الممكن تقرير الواقع فوقها برسوم تعبيرية، شريطة أن يتمسّك الصحراويون بعقيدة الثورة والتحرّر بكل أشكاله وأساليبه الابتكارية.

لذلك، وجب على قيادة جبهة “البوليساريو” إعادة تقييم الزمن المستهلك في تنفيذ المسار الأممي للقضية الصحراوية منذ اتفاق إطلاق النار في 6 سبتمبر 1991، لصياغة رؤية ثورية تجديدية، على وقع المصارحة والمكاشفة، تفضي إلى بعث القضية على الأرض، لأنّ تغيير موازين القوى ميدانيا، عن طريق حرب الاستنزاف من الداخل المحتل هو ما سيجعل الاستعمار يرضخ للتسليم بالحقوق الصحراوية.

مقالات ذات صلة