ترامب يحقّق حلم اليهود ويتحدى ملياري مسلم
خرق الرئيس الأمريكي القوانين الدولية بإعلانه الأربعاء الماضي مدينة القدس المحتلة عاصمة للكيان الإسرائيلي، ودعا ترامب وزارة خارجية بلده إلى نقل مقر السفارة إلى القدس غير مكترث بالقرارات الدولية لتقسيم فلسطين سنة 1947، ليعلن بذلك الحرب ويوقف مسار السلام بين الطرفين من خلال ما سماه بـ “الصفقة النهائية”. وتم تسجيل استنكار رسمي وشعبي واسع وسط دعوات إلى انتفاضة قوّية عبر العالم.
بعد مضيّ 100 سنة عن “وعد بلفور” والحقّ الذي منحته بريطانيا لليهود بمنحهم وطنا قوميا في فلسطين سنة 1917، عاد دونالد ترامب في 2017 ليمنح من “لا يستحق ما لا يملك” بإعلانه مدينة القدس عاصمة للكيان الصهيوني، ويرسّم ذلك بطلبه نقل سفارة الولايات المتحدة الأمريكية إلى العاصمة الجديد لإسرائيل. قرار ترامب خالف القوانين الدولية التي قسّمت الأراضي الفلسطينية سنة 1947 ومنحت القدس للطرف الفلسطيني، كما خالف الهيئات الأممية التي تدعو إلى السلام في المنطقة، ليكسر الرئيس الأمريكي كلّ الحلول التي كانت تدعو إلى التهدئة والتعايش حيث كان الأجرأ من بين الرؤساء المتعاقبين على البيت الأبيض في الإعلان عن نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس المحتلة، بعدما كان المشروع في أدرج الكونغرس منذ سنة 1995 من دون أن يبادر إلى المصادقة عليه أي رئيس. وتكون بذلك إسرائيل قد حقّقت حلم اليهود الديني والعقائدي والسياسي في تحويل القدس إلى عاصمة لهم، حيث كان احتلال القدس الشرقية في سنة 1967 وضمّها إلى القدس الغربية، كعاصمة إسرائيلية لكن دون أن تحظى بموافقة واعتراف المجتمع الدولي.
ومن المقرر أن تكون الولايات المتحدة الأمريكية أوّل دولة في العالم ولأول مرة في التاريخ تنقل مقرّ سفارتها رسميا نحو القدس كعاصمة إسرائيلية، كما من المتوقّع أن تتبعها بعض الدول الموالية لهذا القرار، وبالتالي فإنّها تقدّم الاعتراف الرسمي والحماية للكيان الإسرائيلي في القدس المحتلّة باسم حماية سفاراتها، وهو تغيير في منحى العلاقات وتوجّهات المجتمع الدولي بخصوص القضيّة الفلسطينية، كما ينبئ الأمر بتطوّرات أبعد من ذلك على اعتبار أنّ القرار الجريء وغير المسبوق للرئيس الأمريكي تمّ اعتباره بمثابة إعلان الحرب بين المدافعين عن القضيّة الفلسطينية وحماة الكيان الصهيوني في العالم من خلال ردود الأفعال المختلفة التي تعتبر بوادر أزمة عالمية حقيقية.
وحسب محلّلين سياسيين، فإنّ الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ستعلبان أدوارا جديدة في منطقة الشرق الأوسط من خلال خطّة تستهدف التحكّم في زمام السلطة ووضع حدّ لطموحات إيران النووية والمدّ الإيراني لحلفائها في لبنان واليمن، فيما تتضمن الخطة الإعلان عن دولة فلسطين بأجزاء متقطعة من الضفة الغربية وعاصمتها أبوديس مع موافقة الطرف الفلسطيني على بقاء العديد من المستوطنات الإسرائيلية التي طالبت هيئة الأمم المتحدة بإيقاف بنائها، وتمثّل هذه الخطّة جارية التنفيذ انتكاسة حقيقية للفلسطينيين في ظلّ التحالفات الدولية واستعمال القوة والهيمنة بطرق غير شرعية.
ولقي قرار ترامب استنكارا شعبيا ورسميا واسعا على مستوى المجتمع الدولي، حيث دعت مختلف الدول العربية إلى عقد اجتماع طارئ لمباحثة هذه التطورات وسارعت إلى التنديد بالقرار الذي لا يعترف بالقوانين الدولية وسيؤجّج الصراع في منطقة الشرق الأوسط، كما من المرتقب أن ينعقد هذا الأسبوع اجتماع طارئ لجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، ومن جانب آخر، عبّر كلّ من الرئيس الفرنسي ومسؤولة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي والأمين العام للأمم المتحدة، عن قلقهم بشأن هذه الخطوة، معتبرين أنّها ستنسف جهود السلام، ودعوا إلى المفاوضات المباشرة بين الطرفين دون تدخّل الولايات المتحدة الأمريكية.
كما اعتبرت روسيا أنّ الحلّ يكمن في إعلان القدس الشرقية عاصمة فلسطينية والقدس الغربية عاصمة إسرائيلية. فيما دعت حركة المقاومة الإسلامية حماس على لسان إسماعيل هنية أمس من قطاع غزة، إلى انتفاضة هي الأقوى في التاريخ كردّ حاسم على قرار الولايات المتحدّة الأمريكية والتصعيد إن تطلّب الأمر قائلا إنّ “أنصاف الحلول لم تعد مجدية”، بينما طلبت السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الوطنية الدعم من الدول العربية والمجتمع الدولي للعزوف عن هذا القرار الذي سيحطّم مسار السلام في المنطقة. وقابل الفلسطينيون قرار ترامب بصدمة غير متوقّعة ليسارعوا إلى الرفض بمختلف الطرق منها الدخول في إضراب على مستوى الضفة الغربية والقدس المحتلة. وعلى الصعيد الشعبي، ثارت شعوب العالم العربي والإسلامي بداية بالشعب التركي الذي اعتبر أنّ القدس عاصمة فلسطينية إسلامية أزلية، فيما من المقرّر تنظيم مسيرات حاشدة اليوم الجمعة على مستوى عدّة دول من بينها الجزائر، نصرة للشعب الفلسطيني.