الجزائر
مطالب بإجراءات حازمة لإنهاء التداخل والارتقاء بالمدرسة

ترسيم الأساتذة يثير خلافات بين المفتشين ومصالح التكوين!

الشروق أونلاين
  • 2755
  • 0
ح.م

أفرز ملف ترسيم الأساتذة الجدد في الأطوار التعليمية الثلاثة تباينا واضحا في الرؤى وتضاربًا في المهام وتداخلا في المسؤوليات، بين مفتشي البيداغوجيا ومصالح التكوين بمديريات التربية للولايات، بسبب “مدة التربص” والجهة المؤهلة قانونا “لتثبيت” المربين، برغم أن هذه العملية تعد بيداغوجية بحتة، يتم من خلالها تقييم وتقويم أداء المعلمين ميدانيا والتأكد بذلك من كفاءتهم المهنية.
أفادت مصادر “الشروق”، أنه في الوقت الذي يعتبر فيه مفتشو التنظيم التربوي أن عملية الترسيم تندرج ضمن الصلاحيات البيداغوجية الخالصة، باعتبارهم الجهة المؤهلة لتقويم أداء الأساتذة ميدانيًا من حيث الكفاءات التعليمية والمنهجية، ترى مصالح التكوين في العديد من مديريات التربية الولائية نفسها الوصية الإدارية الأولى على العملية، فتتولى برمجتها وتنظيمها، من دون الرجوع إلى المفتشين أو التنسيق المسبق معهم بالشكل المنصوص عليه في النصوص التنظيمية.
ويُبرّر السلوك الإداري أحيانًا بالحرص على سرعة الإنجاز أو ضبط الآجال، ما أدى إلى تجاوزات ميدانية أفرغت الترسيم من محتواه البيداغوجي، وأثار تذمرًا واسعًا في أوساط المفتشين، تشرح مصادرنا.
وإلى ذلك، لفتت ذات المصادر إلى أن مفتشين للبيداغوجيا يؤكدون في بياناتهم وتقاريرهم المرفوعة للسلطات الوصية، أن التكوين والترسيم عمليتان متكاملتان ولكنهما تخضعان لمنظومتين مختلفتين من حيث الإشراف؛ فالتكوين يتبع مديريات التربية للولايات، من خلال مصالح التكوين والتفتيش، بينما الترسيم يخضع للتقييم البيداغوجي الذي يتولاه المفتش المختص ميدانيًا، بناءً على شبكة تقييم معتمدة قانونًا.
ومن هذا المنطلق، أشارت مصادر من داخل السلك التفتيشي إلى أن بعض مديريات التربية الولائية، قد تجاوزت الأطر القانونية عندما أوكلت لنفسها مهام إعداد رزنامة الزيارات، وهو ما يتعارض صراحة مع أحكام المرسوم التنفيذي 08-315 المعدل والمتمم بالقانون 25-54 المؤرخ في 21 جانفي 2025 المتضمن القانون الأساسي الخاص بالموظفين المنتمين للأسلاك الخاصة بالتربية، والذي يحدد بوضوح أن الترسيم يتم بناءً على تقييم المفتش المختص بعد متابعة الأستاذ في الميدان والتأكد من كفاءته المهنية.
هذا الوضع، تؤكد مصادرنا على أنه قد خلق حالة من الارتباك والتذمر في أوساط المفتشين، الذين شعروا بأن دورهم الرقابي والتقويمي قد تم تهميشه، مقابل تغول إداري لمصالح التكوين التي باتت تمارس سلطات تنفيذية من دون سند قانوني واضح، وعليه، فقد عبّر العديد من المفتشين عن امتعاضهم من هذه الوضعية في اجتماعاتهم التنسيقية، وشددوا على أن إقصاء جهاز التفتيش من متابعة الترسيم يمثل مساسًا جوهريًا بجوهر العملية التربوية نفسها، التي تقوم على المتابعة البيداغوجية الدقيقة وليس على المعالجة الإدارية البحتة.
وعليه، فقد دفعت هذه الوضعية بالمفتشين إلى مطالبة المفتشية العامة للبيداغوجيا بوزارة التربية الوطنية، بالتدخل العاجل من أجل وضع حدّ لهذا “التداخل” في الصلاحيات وتوحيد الإجراءات على المستوى الوطني. كما نادوا بضرورة إصدار تعليمة وزارية واضحة تعيد الاعتبار لدور التفتيش التربوي وتحدد بصفة دقيقة من له صلاحية تقييم الأساتذة وترسيمهم، ضمانًا لمبدأ الشفافية والإنصاف.
وفي المقابل، ترى بعض مديريات التربية للولايات أن مصالح التكوين لا تتجاوز صلاحياتها، بل تسعى فقط إلى تنظيم العملية إداريًا وضبط ملفات المترشحين للترسيم، معتبرة أن تدخلها يأتي لتسريع الإجراءات وضمان احترام الآجال القانونية، خاصة في ظل النقص المسجل في عدد المفتشين ببعض المواد والمراحل.
إلا أن هذا التبرير لا يُقنع المفتشين الذين يصرّون على أن الترسيم عملية بيداغوجية قبل أن تكون إدارية، وأن تسريع الإجراءات لا يبرر مخالفة القانون أو القفز على الأدوار المحددة بالنصوص التنظيمية.
ومن ثمّ، فإن هذا التباين القائم بين المفتشين ومصالح التكوين، يبدو أنه ليس مجرد خلاف إداري عابر، بل هو مؤشر على اختلال في منظومة التسيير التربوي، يستدعي مراجعة شاملة للعلاقة بين الجهازين، من خلال إعادة ضبط مسار التكوين والترسيم بما يضمن التكامل لا التضارب، ويعيد الثقة إلى الفاعلين التربويين في الميدان، حيث أن المدرسة الجزائرية في أمسّ الحاجة إلى تسيير مؤسساتي منسجم، يحترم القانون، ويُعلي من قيمة الكفاءة البيداغوجية باعتبارها الأساس في تقييم المعلمين وبناء الجودة التعليمية المنشودة.
أما بخصوص الخلاف الواقع بسبب “مدة التربص”، فقد أبرزت مصادرنا أن الأحكام القانونية المعمول بها رفعت اللبس عن هذه المسألة، إذ يجب على الأستاذ المتربص قضاء فترة تربص مدتها سنة كاملة مستمرة من الخدمة الفعلية، وتبدأ فور الحصول على قرار التنصيب، وهي نفس الفترة التي تم تأكيدها في المادة 17 من المرسوم التنفيذي رقم 17-322، المؤرخ في 2 نوفمبر 2017، الذي يحدد الأحكام المطبقة على المتربص في المؤسسات والإدارات العمومية.
وبالاستناد إلى ما سلف، شددت مصادرنا على أن المرسوم التنفيذي رقم 25-54 المؤرخ في 21 جانفي 2025، لم يترك مجالا للخلاف أو الاجتهاد، بحيث نصت المادة 35 منه على إلزامية قضاء تربص تجريبي مدته سنة واحدة.
ولفتت مصادرنا إلى أن المادة 39 من نفس المرسوم التنفيذي الجديد 25-54، قد تحدثت صراحة على أنه وبعد انقضاء فترة التربص واعتمادا على نتائج امتحان أو تفتيش الترسيم، يرسم المتربصون أو يخضعون إلى تمديد فترة التربص مرة واحدة لنفس المدة، أو يسرحون من دون إشعار أو تعويض.

مقالات ذات صلة