تركيا.. القوّة العسكرية العالمية القادمة
في سنة 1944، تمكّن مهندسٌ تركي مسلم يُدعى كاميل عثمان من صناعة محرّك طائرةٍ عمودية يعمل بالديزل، وقام بعرضه في مدينة إزمير. وبعد أيام من نهاية المعرض، فاجأ وزيرُ النقل التركي سوكرو كوساك المهندسَ الشاب بزيارة مصنعه، فرحّب به وتوقّع أن يشجّعه ويكافئه، لكن الوزير سأله مستنكراً غاضبا: “من أعطاك الإذن بإنتاج المحرِّك؟”، وأمر بإغلاق المصنع فوراً!
آنذاك، كان يحكم تركيا نظامٌ أتاتوركيّ شمولي بغطاءٍ ديمقراطي تعدّدي زائف، يقمع الحريات، ويحتقر العِلم، ويهمّش الكفاءات، ويهجِّر العلماء والأدمغة، ويكتفي باستيراد كل شيء ولا يأبه بإقامة اقتصادٍ مُنتِج تنافسيّ، تماما كما تفعل الأنظمة العربية الاستبدادية إلى حدّ الساعة، لكن حال تركيا تبدّل بعد مرور 69 سنة من الحكم العسكري الأتاتوركي وبروز ضباطٍ وطنيين أدركوا أنّ الاستمرار في احتكار الحكم بالقوة يعني بقاء تركيا في دائرة التخلُّف والفساد والفقر عقودا أخرى طويلة، فاتخذوا قرارا تاريخيا شجاعا بدمقرطة الحياة السياسية، فتحرّرت الطاقات وبرز حزب العدالة والتنمية وفاز بالانتخابات العامة في عام 2002، وخاض تجربة تنموية رائدة مكّنت تركيا من الخروج من براثن التخلّف والتحوّلِ إلى قوةٍ اقتصادية عالمية كبرى في ظرف 18 سنة فقط.
ومنذ أيام قليلة، كشفت تركيا عن أول محرّك طائرة هيليكوبتر محلي الصنع، وأعلن الرئيس أردوغان أن بلاده ستتحوّل إلى أنموذج في مجال صناعة محرّكات الطائرات المقاتِلة، وهي تطوِّرُ أيضا مشروع محركات الدبابات والعربات المدرّعة والصواريخ، لتصبح تركيا دولة رائدة في صنع شتى أنواع المحركات وتتخلص من التبعية للخارج في أهمّ الصناعات الدفاعية، لاسيما بعد أن ارتفع عدد المشاريع الدفاعية في البلاد من 62 فقط في سنة 2002، إلى 700 مشروع الآن، علما أنّ اعتماد تركيا على محركات مستورَدة أفشل مرارا صفقات تصدير منتجاتها العسكرية إلى الخارج.
تركيا الآن تصنّع الحوامات والدبابات والعربات المصفَّحة والصواريخ، وهي تختبر طائرة حربية متطوِّرة، وتستعدُّ لإنزال حاملة طائرات في عام 2021، وهي أيضا رائدة في صنع طائراتٍ بلا طيار أثبتت فعالية كبيرة حينما “جُرِّبت” في معارك ضد الجيش السوري في إدلب وأوقفت زحفه، كما غيّرت ميزان القوى في ليبيا وألحقت خسائرَ كبيرة بقوات حفتر ومكّنت حكومة الوفاق من دحرها من غرب البلد كله، قبل أن تُنزِل مؤخراً خسائر فادحة بالقوّات الأرمينية في إقليم ناغورني كاراباخ وتُمكِّن أذربيجان من تحقيق نصرٍ تاريخي على أرمينيا واستعادة الإقليم، وقد تطرّقت تقارير غربية عديدة في الآونة الأخيرة إلى مدى التطوّر الفائق لهذه الطائرة التي أضحت تغيِّرُ موازين القوى في الحروب، وأكّدت التقارير أن تركيا أصبحت إحدى الدول الرائدة عالميا في تصنيعها بمواصفاتٍ عالمية عالية الجودة.
تعوّدنا أن تكتفي الدولُ العربية والإسلامية باستيراد حتى أبسط الأسلحة والذخائر، وأن لا تصنّع شيئا ولا تفكّر أصلاً في تصنيعها، وأن لا يصدِّر الغربُ إليها سوى أسلحةٍ دفاعية ذات فاعليةٍ قتالية محدودة حفاظا على التفوّق العسكري للاحتلال الصهيوني الذي يحظى بأحدث الأسلحة الغربية، وحتى أقرب “الحلفاء” إلى الغرب لا يحصلون عليها كما حدث مؤخرا مع الإمارات وصفقة “أف 35″، لذلك لا يسعنا سوى مباركة الخطّة العسكرية التركية التي بدأت منذ أعوام في إنتاج أحدث الأسلحة محليا للاستغناء عن الخارج تماما في الأعوام القادمة، فضلا عن دخولها قلب التكنولوجيا العسكرية الدقيقة من خلال الطائرة المسيَّرة “بير قدار” التي أضحت سلاحا فتَّاكا في المعارك والحروب، علما أنّ الأمر لا يقتصر على صناعةٍ عسكرية واعدة تجعلها قريباً دولة إسلامية قويّة مُهابة الجانب، بل بنهضةٍ اقتصادية عملاقة وشاملة تقدِّمُ للعالم أنموذجا تنمويا إسلاميا ناجحا قائما على الوسطية والاعتدال، وليس “إسلام داعش” الذي يشجّعه الغربُ ويسعى إلى تكريسه لكبح انتشار هذا الدين في العالم.