منوعات
باحثون ومثقفون وجامعيون يؤكدون في ندوة "الشروق":

تركيا وماليزيا وإيران تطوّرت بفكر بن نبي.. والجزائر هرمت ولم تصل!

الشروق أونلاين
  • 8938
  • 0
ح.م

في إطار الذكرى الثالثة والأربعين لوفاة المفكر الفيلسوف مالك بن نبي، نظّم مجمع “الشروق” للنشر والإعلام ندوة عامة حول موضوع “الإصلاحات التربوية في الجزائر من منظور بن نبي”، أطّرها الدكتور محمد سعيد مولاي، رفقة الدكتور عمار جيدل، وعرفت مشاركة خبراء تربويين ومختصين، إضافة إلى عشرات المهتمين بتراث مالك بن نبي وآثاره الفكرية.

وقد أثنى المتدخلون في النقاش المفتوح على مبادرة “الشروق”، مُشيدين باهتمامها الدؤوب بتخليد أعلام الجزائر، والتعريف بمآثرهم وجهودهم الإصلاحية، تنويرا للأجيال الجديدة وتكريس المرجعية الوطنية بكلّ أبعادها الحضارية. 

وبشأن موضوع الندوة، أجمع المشاركون على أهمية العودة لأفكار مالك بن نبي التي صنعت النهضة في دول إسلامية على غرار ماليزيا وتركيا وإيران، بينما لا تزال بلادنا تتلمّس طريقها تائهة في قضايا الهوية التي ربطها بن نبي بالعقيدة الدينية، معتبرا أن المُفاعل الروحي هو الدافع المحرك في بناء الحضارات. 

 

بورتريه

مالك بن نبيّ…فيلسوف الحضارة

يُعدّ المفكر الجزائري مالك بن نبي أحد رُوّاد النهضة الفكرية الإسلامية في القرن العشرين، ويُمكن اعتباره امتدَادًا لابن خلدون، ويعد من أكثر المفكرين المعاصرين الذين نبّهوا إلى ضرورة العناية بمشكلات الحضارة.

كانت جهود مالك بن نبي في بناء الفكر الإسلامي الحديث وفي دراسة المشكلات الحضارية عموما متميزة، سواء من حيث المواضيع التي تناولها أو من حيث المناهج التي اعتمدها في ذلك.

وكان بن نبى أول باحث يُحاول أن يُحدّد أبعاد المشكلة، ويحدّد العناصر الأساسية في الإصلاح، ويبعد في البحث عن العوارض، وكان كذلك أول من أودع منهجًا مُحدّدا في بحث مشكلة المسلمين على أساس من علم النفس والاجتماع وسنة التاريخ.

ولد في 5 ذو القعدة 1323 هـ، الموافق للفاتح من جانفي سنة 1905 م بمدينة قسنطينة، وترعرع في أسرة محافظة، فكان والده موظفًا بالقضاء الإسلامي حيث حول بحكم وظيفته إلى ولاية تبسة، حين بدأ مالك بن نبي يتابع دراسته القرآنية، والابتدائية بالمدرسة الفرنسية، وتخرج سنة 1925م بعد سنوات الدراسة الأربع.

سافر بعدها مع أحد أصدقائه إلى فرنسا حيث كانت له تجربة فاشلة فعاد مجددًا إلى مسقط رأسه، وبعد العودة تبدأ تجارب جديدة في الاهتداء إلى عمل، كان أهمها، عمله في محكمة آفلو حيث وصلها في مارس 1927م، احتك أثناء هذه الفترة بالفئات البسيطة من الشعب، فبدأ عقله يتفتح على حالة بلاده، وقد استقال من منصبه القضائي فيما بعد سنة 1928 إثر نزاع مع كاتب فرنسي لدى المحكمة المدنية.

أعاد الكرة سنة 1930م بالسفر إلى فرنسا، ولكن هذه كانت رحلة علمية، حاول أولاً الالتحاق بمعهد الدراسات الشرقية، إلا أنه لم يكن يسمح في ذلك الوقت للجزائريين أمثاله بمزاولة مثل هذه الدراسات، فتركت هذه الممارسات تأثيرًا كبيرًا في نفسه، فاضطّر للتعديل في أهدافه وغاياته، فالتحق بمدرسة (اللاسلكي) للتخرج كمساعد مهندس كهربائي، ممّا يجعل موضوعه تقنياً خالصاً، أي بطابعه العلمي الصرف، على العكس من المجال القضائي أو السياسي.

انغمس مالك بن نبي في الدراسة وفي الحياة الفكرية، واختار الإقامة في فرنسا وتزوّج من فرنسية ثم شرع يؤلف الكتب في قضايا العالم الإسلامي، فأصدر كتابه الظاهرة القرآنية في سنة 1946 ثم شروط النهضة في 1948، الذي طرح فيه مفهوم القابلية للاستعمار ووجهة العالم الإسلامي 1954، أما كتابه مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي فيعتبر من أهم ما كتب بالعربية في القرن العشرين.‏

انتقل إلى القاهرة هاربا من فرنسا بعد إعلان الثورة الجزائرية سنة 1954م، تاركا وراءه زوجته التي رفضت مرافقته، حظي في مصر باحترام كبير، فكتب فكرة الإفريقية الآسيوية في 1956، وعين مستشارا لدى منظمة التعاون الإسلامي، منصب سمح له بمواصلة الكتابة الفكرية وإرسال المال ليعول زوجته في فرنسا.

طوّر مالك بن نبي معرفته باللغة العربية، حيث راجع كل كتبه المترجمة للغة العربية، وشرع بالكتابة بالعربية، وإلقاء المحاضرات بالعربية وزار سوريا ولبنان لإلقاء محاضرات هناك.

عاد مالك بن نبي في 1963 للجزائر بعد استقلالها، فعين سنة 1964  كمدير عام للتعليم العالي، واصل مع ذلك إلقاء المحاضرات والتأليف، فصدر له آفاق جزائرية، وكذلك الجزء الأول من مذكراته.

استقال من منصبه سنة 1967، ليتفرغ كلية للعمل الفكري الإسلامي والتوجيهي، فساهم بمقالات متتابعة في الصحافة الجزائرية خصوصًا في مجلة “الثورة الإفريقية” التي شارك فيها إلى سنة 1968 بمقالات في صميم تصوّراته حول إشكالات الثقافة والحضارة ومشروع المجتمع، وقد جمعت هذه المقالات كلها في كتاب بعد وفاته .

أوصى مالك بعض المقربين إليه من الطلبة الذين كانوا يتابعون حلقاته ببيته بين1968 و1973، خصوصًا الذين كانوا يشتغلون بوزارة الشؤون الدينية والأوقاف، بتنظيم ملتقيات لتوعية الأجيال الصاعدة، كما حثّ، في خضم الصراعات الفكرية والمذهبية، على فتح مسجد بالجامعة المركزية، ولو كان ذلك بمقدار متر مربع واحد.

 

الباحث في العلوم الإسلامية الدكتور عمّار جيدل:

غرس الهويّة في المدرسة أسبق من ملمح التخصُّص 

عرض الدكتور عمار جيدل المداخلة الثانية في ندوة “الشروق” حول “مكانة الهوية في التعليم لدى مالك بني”، حيث ركّز على موضوع الثرثرة الإنسانية وعلاقتها بالمنظومة التربوية، والتي أسهب في الحديث عنها، فقال “لكلّ منظومة تربوية قراءة، ومن جعل الثرثرة علما فذاك هو الجاهل….والثرثار هو كل من يقول كلاما دون رسالة”، معرّجا على “خبث” وخطأ مقولة “شعبُ يقرأ، شعب لا يُستعبد”، لأن السؤال المطروح لديه هو “ماذا نقرأ لنتعلم….؟ فالناس لا تفرق بين العلم والثرثرة”.

ويرى جيدل أنّ الحِراك القصري الذي يحاول الغرب إرغام الشرق عليه، هو أن يفرض عليه ما يقرأ، حتى يُبعده عن ثقافته، ليخلص المُتحدث إلى مقولة ابن نبي “إنّ القراءة وسيلة من وسائل استعباد الغير”.

وقال ضيف ندوة “الشروق” “إنّ الشخص الذي يقرأ، مثل ذلك الذي يأكل، فالأخير إذا أكل طعاما” مُسرطنا أو مُطوعنا” سيمرض، وإذا تناول طعاما صحيا فسيتمتع بالصحة”، معتبرًا أن للثقافة دور في الحراك الفكري، قبل أن يستنكر في الوقت نفسه ظاهرة تقديم السياسييّن لمثقفين مثرثرين تحت عنوان باحثين مبرّزين. 

وأكد مؤطّر الندوة أنه من واجب المنظومة التربوية، أن لا يقتصر دورها على تعليم الناس الكلام والقراءة فقط، بل يجب أن تركز على ماذا يقرأ تلاميذها.

الوقت عند “ابن نبي” مرتبط بساعات النفع العام

وبشأن الإشكالات الحضارية، خاصة في النظام التربوي، حسب فكر الفيلسوف مالك ابن نبي، قال جيدل “يظهر الإشكال في النظام التربوي، عندما يكون محايدا بشأن المكوّنات الحضارية للإنسان، فيُكوّن ثرثارا في ثوب عالم، ومتسلطا بشهادته على من هو دونه، ومتذللا لمن فوقه”، متسائلا “أيّ أفق حضاري لهؤلاء”.

وأضاف “حتى وإنّ كنا نعترف بدور المنظومة التربوية في تكوين علماء، لكن البذرة الأساسية لمشكلات الحضارة حسب فكر ابن نبي يحملها هذا العالم”، انطلاقا من مكوّنات الحضارة عند الفيلسوف، والمتمثلة في الوقت والإنسان والتراب، ذلك أنّ “الوقت عند الإنسان يقدر بساعات الخير التي نبذلها لخدمة الآخر، ومعنى التراب هو أن تكون مسكونا بضرورة استجلاب كل ما هو فيه سدّا لحاجات الناس، وفقا لآخر المبتكرات المادية والعلمية”، مضيفا “وهذه المبادئ لابدّ لها من نابض يحركها، ألا وهو الباعث الروحي، المتمثل في الرقابة الإلهية المستمرة”، ويشرح كلامه بالقول “لأنّه لو وصلت إلى أرقى شهادات العلم، ولكنك لا تمتلك باعثا روحيّا، فلن تصل إلى الحضارة، وقد تكون سببا في تكريس التبعية للغير، التي تحدّث عنها فيلسوف الحضارة مطوّلا”. 

وشرح جيدل قول ابن نبي “معرفة إنسان الحضارة وإعداده أشقّ كثيرا من ترويض قرد على ارتداء ربطة العنق”، أيْ لإنشاء حضارة لابدّ من إخراج الإنسان من الحاضنة التي درج عليها، أي إخراجه من المألوف إلى مسلك جديد، بإقناعه أنّ المسلك الجديد يدخله الحضارة. 

لا وجود لقيم بمعزل عن الهوية في النظام التربوي

وبخصوص الهوية، فإنّ العامل الروحي هو أساس الهوية في فكر ابن نبي، والتحضّر أن نتعلم كيف نعيش مع غيرنا وكيف نتحول من فرد إلى كائن اجتماعي، وانتقد جيدل النظام التربوي الذي يُعلّم الناس القراءة والكتابة دون أفق، والحل – حسبه – أن يتعلّم كل فرد فنّ الحياة مع أقرانه، مُعلّقا “التحضّر مُمارسة وتصرف وليس لباسا وكلاما يُلاك، والمُتحضّر هو الذي يراعي الآخرين في وصوله إليهم، ووصولهم إليه”، ذلك أنّ الحضارة تنبثق من مُثل أخلاقية، وأداة تجسيدها هي التربية، وعليه وجب أن يكون النظام التربوي مرتبطا بالهوية، معتبرًا أن التسامح في الهوية، هو تسامح في حق لا نملكه، وهو ملك لخلَفنا وأحفادنا، والتنازل عنها يُمهّد للغزو، لأنّ المنظومة التربوية هي وسيلة للإدماج الاجتماعي، في حال تضمنت شروطا موضوعية، على غرار الدول الإسكندنافية وتجربتها مع ازدهار منظومتها التربوية.

هناك تطرّف في المنظومة التربوية باسم الدّين

وتطرّق جيدل لنقطة أثارت الجدل في الساحة التربوية مؤخرا، وهي المناداة بتعلم المواد العلمية باللغة الفرنسية، لغرض رفع المستوى، فعلّق “إذا أردنا الوصول للحضارة بهذه المواد، فعلينا تعلمها بلغتها وهي الإنجليزية، ومن يختار الفرنسية، فحتما هو يتبع الهوية التي يريدها لنفسه”.

وأكد البروفيسور جيدل أنه من أسمى أهداف المنظومة التربوية هو تكييف الفرد مع الحاضنة الاجتماعية، متأسفا لوجود تطرّف باسم الدين في المنظومة الجزائرية الحالية، حيث يعتقد البعض أن العامل الروحي أسمى من عامل العلم.

وفي سياق متصل، تطرق الباحث لقضيّة “ملمح التكوين”، والذي تُركز عليه وزيرة التربية الوطنية نورية بن غبريط في إصلاحات “الجيل الثاني”، حيث قلصت حجم مواد الهوية والتي اعتبرتها ثانوية للمنتسبين للشُعب العلمية، وهو ما لا يوافق عليه جيدل، استنادا لنظرية الفيلسوف ابن نبي، لأن الملمح التخصصي يأتي بعد الملمح الهويّاتي، لأنّ “الهوية هي العامل الباعث على نقل الإنسان من الحاضنة أو الطبيعة إلى إنسان الحضارة”.

 

عبد الوهاب طالبي، مهندس في الأشغال العمومية: 

مشكلة المدرسة ليست في اللغة بل في القيم والهوية

أشاد عبد الوهاب طالبي بفكر الفيلسوف ابن نبي، والذي ربط بين السياسة والثقافة والمدرسة، واعتبر “أنّ المدرسة الأصيلة تلعب دورا في الانفتاح السياسي، وأنّ أي مخطط سياسي لابد أن ينتُج من القيم الثقافية التي تبنى في المدرسة”، فقال “للتفكير في مشكلة إصلاح المدرسة، علينا أن لا ننظر للمدرسة بمنظور الأدوات والمنشآت، بل بروح القيم…”.

ويرى طالبي، أن قضية المدرسة هي قضية قيم وهوية وليست قضية لغة…”، مستدلّا على ذلك بكون “مالك ابن نبي كان يُعبر بلغة المستعمر، ومع ذلك هو من نظّر لفكرة القابلية للاستعمار..”، ولذلك – يقول طالبي- علينا أن نُطوّر لغتنا ولا نتخوف من لغة الآخر. 

وتأسف المتدخل في ندوة “الشروق”، كوننا نعيش زمن اللاّحضارة مثلما وصفه ابن نبي، بسبب فقدان نابض الحركة، الذي يسبب توترا ايجابيا لتفعيل الأدوار، مشيرا إلى أن الأمم المحترمة تحدّد الوقت بزمن التطور، في حين أن القيم الإسلامية، والتي تعتبر قيما عالمية، لا زالت تُراوح مكانها.

 

عبد القادر دواودة، أستاذ التعليم:

هل الإسلام “غير قابل” للتطبيق… أم نحن معتوهون!

أبدى عبد القادر دواودة، أستاذ التعليم التحسر على واقع الفرد المسلم، متسائلا عن كيفية الانتقال بفكر مالك ابن نبي، ليتحوّل إلى فكر مؤسّس لمشروع مجتمع، قبل أن يعلّق “هرمنا ولم نصل إلى فكر الفيلسوف…”. وتأسف لعدم تحرير العقل المسلم من “الدوغماتية” المغلقة، ومن عصر الانحطاط، لننتقل إلى عصر التنوير، وساءل الحضور حول إمكانية استيعاب العقل الجزائري المعاصر لفكر ابن نبي، وهل الإسلام أيضا هو خطوط عريضة غير قابلة للتطبيق بالنظر للواقع؟، في إشارة من المتدخل للضياع الأخلاقي والقيمي والحضاري للمسلمين، ليعقّب على نفسه بالقول “أم نحن معتوهون لا نعرف كيف نطبق الإسلام….؟”.

 

خوجة الأرقم، مفتش للعلوم الفيزيائية:

بن نبيّ مظلوم من الإسلاميين واليساريين والسلطة

قال الأستاذ خوجة الأرقم، وهو مفتش متقاعد للعلوم الفيزيائية، إنّ الشيعة في إيران انفتحوا على فكر مالك ابن نبي منذ الخمسينيات، وكشف بهذا الصدد، أنه التقى قبل 15 سنة مرجعًا شيعيّا في ندوة نشطها الأخير، حيث أكد له أنه دخل السجن لعامين في 1949، وذلك بسبب ترجمته كتابا حول “شروط النهضة” لمالك بن نبي، وجعله مقياسًا يدرّس في الحوزة بمدينة قُمْ الإيرانية، كما تحدّث عن تأثر الأتراك بدورهم بفكر الفيلسوف، متحسرا على حال الجزائر، فقال “أما عندنا، فعانى ابن نبي الأمرّين من التيارين المتجاذبين في الجزائر….فمجمل الإسلاميين اعتبروا فكره دخيلا وغير أصيل، واليساريون رأوه أصوليّا متطرفا، أما السلطة.. فحدث ولا حرج”، ليخلص إلى نتيجة مفادها “أننا ظلمنا أنفسنا قبل أن نظلم الفيلسوف”.

وليدخل العرب والمسلمون الحضارة، يرى “خوجة” ضرورة أن يؤمنوا بالتعدد، وأن لا يبالغوا في إثارة مشكلة الهويّة، وأن يركزوا على الاختلالات الحالية.

وبشأن المنظومة التربوية، يؤكد “الأرقم” أن أكبر ضربة لقطاع التربية كانت بإلغاء المعاهد التكنولوجية المكلفة بالتكوين المستمر للأساتذة، دون إنشاء البديل، وحسب تأكيده “اليونيسكو قدمت إعانة بـ300 مليون دج لهذه المعاهد سنة 1995، لنفاجأ بإلغائها في منتصف السنة الدراسية”. 

 

حسين بوبيدي أستاذ جامعي:

الهوية ليست علبة مغلقة وكاملة

وبدوره، أشار الأستاذ الجامعي حسين بوبيدي إلى أنّ من بين أدوات المفكر مالك بن نبي لمعالجة مشكلات الحضارة، هو موضوع التربية، والمشكل حسبه، أننا لا نصارح بعضنا بالأخلاق الموجودة، وتظهر المشاكل عندما تُعطي المدرسة منظورا وفق منظومة معارضة لقيم المجتمع.

ولمعالجة مشكل الهوية، يقول المتحدث “لابد من الحديث عن الهوية بتفصيلاتها الدقيقة والحقيقية، لا أن تعزف المدرسة كثيرا على وتر الهوية، وتقدمها كعلبة مغلقة وكاملة، رغم التطوّر الحاصل في المجتمع الجزائري”.

 

بوعموشة محمد الطاهر، إطار تربوي متقاعد:

مقاول طبع الكتاب المدرسي… والإصلاحات مفروضة

تطرّق الأستاذ بوعموشة محمد الطاهر، وهو إطار تربوي متقاعد، لموضوع الإصلاحات التربوية وما شابها من غموض وتناقضات، وسرد شهادته الخاصة بصفته أحد المشاركين في ندوات وزارة التربية خلال عمل لجنة بن زاغو في 2003، حيث كشف أنّ مدير الديوان وقتها أبو بكر خالدي، الذي صار لاحقا أمينا عامّا، قال لهم بالحرف الواحد “إنّ الإصلاحات التربوية أمر درسه وفصل فيه مجلس الوزراء ولا مجال لأن تتناقشوا فيه كثيرا”، وهو ما يعكس برأيه الأحادية التي تفرضها الوصاية وعدم اهتمام السلطات بالرأي المخالف وموقف الخبراء والمختصين من خياراتها.

وتحدث المتدخل في ندوة “الشروق” عن مشكلة الكتاب المدرسي، مؤكدا أن أحد إطارات وزارة التربية آنذاك، وأثناء إظهاره لكتاب مدرسي نموذجي، صرّح لهم بالحقيقة “استعنّا بمقاول بناء في عملية طبع الكتاب المدرسي…”، وقد تضمّن هذا الكتاب عبارات وأفكار غريبة، على غرار “في فناء المدرسة دود وديك ومدير”، معلّقا على الحادثة بالقول “إذا أسند الأمر لغير أهله فانتظر الساعة”.

 ليتساءل في الختام، عن أصل تسمية إصلاحات “الجيل الثاني”، ونحن لم ننته بعدُ من إصلاحات بن زاغو.

 

الباحث في الرياضيات البروفيسور محمد سعيد مولاي:

بن نبيّ فرّق بين التعليم والتربية ورفض الإصلاح المستورد

قدّم البروفيسور محمد سعيد مولاي المداخلة الأولى ضمن ندوة “الشروق”، والتي حملت عنوان “التربية في فكر مالك بن نبيّ”، حيث يرى أن التربية مرتبطة برؤية الإنسان والمجتمع، فمن أجل تغيير المجتمع لا بد من تغيير الإنسان، ومن أجل تغيير هذا الأخير لا بد من تغيير وسطه الاجتماعي، وحسبه فإنّ أي مشروع تربوي لا ينطلق من أهداف واضحة محددة بدقة مسبقا، في إطار رؤية كلية تتضمن المبررات والوجهة، هو مشروع معرض لا محالة للتيه، الذي يفرغه من محتواه ويجرفه عن غايته.

وبهذا الصدد، أكد مولاي السعيد أن مالك بن نبي حدّد الغاية أو الهدف العام للتربية في علاقتها بعملية البناء الحضاري، وصاغه بشكل موجز ودقيق، فالتربية عنده ينبغي أن تحقق في آن واحد شروط الفعالية على مستوى الفرد، وشروط التماسك الاجتماعي على مستوى المجتمع، مضيفا أنّ تحليل بن نبيّ لحدود مساهمة المدرسة في العملية التربوية، كان بمثابة إنذار وتحذير للقائمين على الشأن التربوي في بلادنا، بأن نوعية المخرجات التعليمية تخضع لشروط تتجاوز الإطار المدرسي أو الجامعي، لتشمل ثقافة الوسط الاجتماعي العام.

وأشار الباحث في الرياضيات في استقرائه لفكر بن نبي، إلى أنه لو تم تحليل أي نشاط اجتماعي، فسنجده ينطوي في حالته الراهنة على أربعة عناصر ثقافية أساسية: هي المبدأ الأخلاقي والذوق الجمالي والصناعة أو العلم والمنطق العملي، فكل ناتج حضارة هو في جوهره مركب من هذه العناصر الأربعة.

 وأضاف أستاذ الرياضيات بجامعة هواري بومدين أن هذه العناصر أو الشروط الأربعة تشكل مكوّنات متكاملة لمعادلة أخرى من معادلات بن نبي، يمكن أن نطلق عليها تسمية معادلة الفعالية أو معادلة الإنسان الفعال، فهي تشتمل على الشروط الضرورية والكافية لتحقيق أي إنجاز حضاري.

الإصلاحات التربوية والخصوصيّات الحضارية لدى بن نبيّ

وتناول المتحدث في محاضرته تحليل بن نبي لمسألة استعارة الحلول لمشكلات المجتمع من الشرق والغرب، حيث اعتبر ذلك محض جهل وانتحار، جهل بالفروق والخصوصيات الحضارية بين المجتمعات، لأنّ هذه الاستعارة مضيعة للجهد ومضاعفة للداء، فالحلول التي لا تنجح في هذه الحالة، لا تكتفي بالفشل فقط، بل تزيد حالة التخلف شدة وتعقيدا، لأنّ للتربية خصوصية تفرض ألا تحل مشكلتها استعارة من مجتمع آخر.

وتعمّق الأستاذ خلال محاضرته في مسألة الفرق بين التربية والتعليم، التي اعتبرها الوجه الآخر لمسألة الفرق بين الثقافة والعلم في كتابات ابن نبي، باعتبار أن الثقافة تشكل محتوى العملية التربوية، والعلم يشكل محتوى العملية التعليمية لديه، حيث تبيّن لمولاي خلال تتبعه لكتابات بن نبي، أنه في أغلبية الحالات لا يفرّق البعض بين الثقافة والتربية، ملحّا على ضرورة التمييز بينهما، فالثقافة أو التربية في علاقتها بالبناء الحضاري، هي نظرية في السلوك وليست نظرية في المعرفة. كما عرّج “مولاي” على ما قرّره ابن نبي فيما يتعلق بفعالية الفرد التي لا يمكن تحقيقها من مجرد إرشاد تعليمي، بتلقين معارف علمية، بل من خلال عمل تربوي، أي بغرس قيم ثقافية في الفرد. 

وإذا كان تكوين الإنسان الفعال، هو أحد أبرز غايات العملية التربوية من أجل البناء الحضاري، بالإضافة إلى بناء وترصيص شبكة العلاقات الاجتماعية، فإن المدرسة – مثلما يرى بن نبيّ- ليست الإطار الطبيعي ولا الأساسي لتنظيم العملية التربوية، ومن الخطأ الاعتقاد بأن المدرسة قادرة أن تغير الإنسان ولا تحل وحدها مشكلة التربية، لأن حلها يبدو متأتيّا من شروط أكثر عموما، وأن هذه الملاحظة تتيح لنا أن نطرح مشكلة التربية في علاقتها بالمدرسة بطريقة أفضل، على رأي الفيلسوف الجزائري.

وفي ذات السياق، قال سعيد مولاي “إن ذلك يجرّنا للقول إنّ المدرسة لا تقدم للتلميذ الصفات المحددة للمحصول الاجتماعي أو الفعالية، إلا ضمن شروط معينة، تتجاوز الإطار المدرسي، وهي عامل مساعد فقط من عوامل التربية، بل حتى بالنسبة لهذا الدور الجزئي المساعد، فإنها لا يمكن أن تقوم به بفعالية إلا في الحدود أو الشروط التي تندمج فيها وظيفتها ضمن الخطوط الكبرى لمشروع ثقافة، أي لمشروع تربوي أشمل منها”، مثلما يقول مالك بن نبيّ. 

 

الباحث في البيولوجيا إسماعيل روينة:

أخطاء “الجيل الثاني” تهدّد السلامة المعرفيّة 

تطرّق الأستاذ الجامعي إسماعيل روينة إلى واقع المنظومة التربوية في الفترة الحالية، وقال إنها بحاجة إلى الفكرة الصائبة والناجحة بمفهوم مالك بن نبي، أي أنّ بعض الإصلاحات والأفكار   قد تكون صحيحة، ولكنها غير ناجحة، لأنها لم تتوفر على الوسائل والإمكانات المطلوبة في إنجاحها، وأضاف المتحدث  “أنه يوجد غموض كبير في المنظومة الحالية، حيث لا نستطيع أن نعرف ما هي المرجعية في هذه المنظومة، رغم أنها تستفيد من إمكانات ودعم كبير، يفترض أن يصل بها إلى النجاح والمطلوب”، معتبرا أنّها قد تكون منظومة صائبة، وربّما تنجح، لكنه حذّر من خطورة  “الفكرة القاتلة” التي يذكرها مالك بن نبي، كونها مزروعة في مجتمعنا الحالي، وأسقط  المتدخّل كلامه على بعض الأمور التي وردت في الكتب المدرسية الجديدة، والتي تحمل في طياتها فكرا حضاريا مختلفا، وذكر خلال حديثه أنها سرّبت إلينا، ولابدّ من الانتفاضة ضد هذه الأفكار، كما يرى الأستاذ روينة أنّ ما نقرؤه في مقرّرات المدرسة الجزائرية يحتوي على معلومات متضاربة ومتقطعة تدعو لتشويش العقل، مشيرا إلى ضرورة اختيار ما نقرؤه ومراقبة أولادنا في اختياراتهم، لأنّ الأمر وصل إلى بعض الكتب العلمية، إلى درجة  أصبحت معها السلامة المعرفية مهدّدة بسبب كثرة الأخطاء المنتشرة فيها، والتي أكد مدرّس البيولوجيا بالمدرسة العليا للأساتذة بالقبّة، أنها لو تركت قد تشوّش على عقول أبنائنا وتساهم في تكوين إنسان مضطرب. 

 

عضو المجلس الوطني للثانويات الجزائرية زوبير روينة: 

هوية المدرسة فوق الوزارة وفي مرمى النظام السياسي

ربط زوبير روينة عضو المجلس الوطني للثانويات الجزائرية خلال ندوة “الشروق”، فكرة التدافع الحضاري في فكر مالك بن نبي بما يوجد  في الساحة النقابية المدرسية اليوم، وخاصة فيما يتعلق ببرنامج الإصلاحات والمطالب العمالية، مستدلاّ بموقفها من البرامج والمناهج وما يحدث حول مشكل التقاعد النسبي، مضيفا أنّ النقابات من خلال ذلك أرادت أن تكون ايجابية في مطالبها، مع المطالبة بتقاعد قصير في الزمن، لكنه من حيث الفعالية ومنطق العمل يكون ايجابيا أكثر، كما تساءل الناشط النقابي عن إعادة صياغة المفاهيم في هويّة  المدرسة الجزائرية، واعتبرها المتحدث مشكلاً أساسيا يتعلق بجزء من النظام السياسي، ويتجاوز النظام التربوي، لأنّ النقابات حسبه دائما في نضالاتها تصطدم بوزارة التربية في طرح المشاكل، لكن يظهر أنّ بعض الإشكالات مطروحة في مستوى أعلى.

 

محمد الطاهر ديلمي إطار تربوي:

بن نبيّ أسّس لمدرسة متميزة في نظام شمولي 

يرى الأستاذ محمد ديلمي أن الإشكالية المطروحة في الإصلاحات التربوية، لا تكمن في اللغة فقط، بل إنها تكمن في السياق الثقافي الذي يراد الترويج له في هذه المرحلة، وأنه لا يجب أن نحصر التربية في قطاع وزاري لأنها قضية أمة، ولهذا – يضيف ديلمي- لا يمكن أن تكون برامجها إلا منسجمة مع مكوّنات هويتها،  بهذا الصدد، استغرب الإطار التربوي في حديثه عن شعارات التسامح التي يرفعها البعض ويريدها أن تكون على حساب الذاكرة التاريخية، منتقدا الموقف السلبي للنخب في المواجهة، متسائلاً “كيف لمالك بن نبي لوحده أن يؤسس لوحده لمدرسة فكرية متميزة في نظام شمولي أحادي مغلق حتى أضحى فكره منارة للعالم”، بينما استقالت وغابت النخب اليوم من ساحات النضال والتمكين، لأنّ هذا الفراغ سيوفّر – حسبه- مهدا لترويج فكر العولمة الذي  نحن مطالبين بالتفاعل معه وليس الاندماج فيه كما يراد لنا، ويضيف المتحدث معاتبًا “اليوم نجحنا في الجزائر في شيء واحد، وهو قبر الفكر والقامات الجزائرية”، إلى درجة أنّ رموزنا الفكرية  مغيّبة في المنظومة التربوية الحالية.

 

الأستاذ رابح تطراوي:

الحركة الإصلاحية جسّدت فكر بن نبي

قال الأستاذ تطراوي رابح  إنّ فكر مالك بن نبي ينطلق من سيرة الرسول عليه السلام، أيّ  أنّ منهج وفلسفة مالك بن نبي  التي أسّست لنظريته الاجتماعية لا تخرج على إطار تفكيره وعقيدته كمسلم، وأشار المتدخل خلال الندوة إلى أن نظرية الحضارة التي صبّ فيها مالك بن نبي عصارة فكره وجهده لا تخرج على تلك العقيدة والرؤية الإسلامية، مستنتجا من ذلك أن نظرياته وفلسفاته لا تتناقض مع الحركة الإصلاحية والوطنية، بل هو ما ترجمته الحركة الإصلاحية في أرض الواقع، فكان يتكلم عن تحصين الشخصية من القابلية للاستعمار وقابليتها للذوبان، وأن تكون محصنة بالدّين والعقيدة، فنتج حسب المتحدث أن رفعت الحركة الوطنية شعار الإسلام ديننا والعربية لغتنا، فكوّن ذلك رجالا تربوا على حب الشهادة وتحرّرت الجزائر من الاستعمار، وعليه، طالب المتدخل بضرورة تربية الأجيال  على تحرّر الجزائر من فكر الاستعمار على ضوء ما جاء به مالك بن نبي، كما أشار في الأخير إلى أنه شخصيّا نهل من فكر مالك بن نبي عن طريق تلامذته، فكان أول شيء تعلمه هو البحث عن الذات والماضي الذي فيه قوة الإنسان.

 

الدكتور عبد القادر خلادي:

مالك بن نبي رافع لتعلم وعمل المرأة المسلمة

قال الدكتور عبد القادر خلادي، الأستاذ المحاضر بجامعة باب الزوار خلال ندوة  “الشروق” حول فكر مالك بن نبي، إن هذا الأخير أعطى اهتماما بالغا لتعليم الفتيات المسلمات، كما كانت له فكرة شاملة في تعليم وتكوين الشباب، وكان يحث الفتيات على طلب العلم حتى أعلى درجة، كما كان يحثهن أيضا على العمل بعد الانتهاء من التعلم ونيل الشهادة، وأضاف المتحدث في شهادته عن المفكر بن نبي، أنه تأثر كثيرا بالحضارات وكتب عنها، وهو ما تعلمته الأجيال منه، وخصوصا فكرته حول الربط بين التعليم والتكوين في نشوء الحضارة، والربط بين الحضارة والدين، وأنّ التطوّر العلمي للحضارة مبني على العقيدة، بما فيها الحضارات القديمة، منها البابلية والفرعونية  التي كانت تعبد الشمس والقمر، ومنه تطوّر علم الفلك والرياضيات. وأشار  الأستاذ في آخر  حديثه  إلى أن مالك بن نبي عانى كثيرا من الحكم الجزائري قبل الاستقلال، في إشارة للحكومة المؤقتة، خاصة  نظام الثورة الذي  كان في مصر، وهو ما ذكره الفيلسوف في كتبه.

مقالات ذات صلة