الجزائر
فتيات يثرن الجدل والمواقع تتحوّل إلى محاكم شعبية

“ترند التحرش”… بين فضح المتحرشين وتوريط أبرياء بالتشهير!

 مريم زكري
  • 1537
  • 0
ح.م

عاد موضوع التحرش ليتصدّر منصات التواصل الاجتماعي في الجزائر منذ أيام قليلة، ولكن هذه المرة بزاوية مثيرة للجدل، حيث تبنّت الفتيات والنساء “ترند” جديد لكشف المتحرشين والتقاط صور ومقاطع فيديو لهم ثم نشرها واستعمالها للتبليغ أمام مصالح الأمن، غير أن الأمر تطوّر لاحق إلى “ترند معاكس” بعدما تم التشهير بأشخاص لا علاقة لهم بالوقائع المتداولة، حيث تحول من ظاهرة وعي جماعي إلى مادة رقمية تستغل بطريقة “مشوّهة” لركوب موجة “الترندات” وتحقيق المشاهدات، ولو على حساب سمعة وخصوصيات الآخرين.
مقاطع فيديو مصورة انتشرت على منصات “تيك توك” و”الفايس بوك” مؤخرا، تظهر رجالا في وضعيات عادية داخل الحافلات أو سيارتهم وحتى في الشوارع، تعرضوا لضرر معنوي كبير، بعد انتشار صورهم وفيديوهاتهم وهي تتداول على نطاق واسع خلفت لهم مشاكل عائلية ونفسية، خاصة المتزوجين منهم، ما اضطر بعضهم للجوء إلى القضاء ورفع شكاوى ضد من قام بالتصوير والترويج، ومن بينها حادثة تصوير شاب بدون علمه من طرف فتاة، ثم نشر الفيديو عبر تطبيق “تيك توك” في سياق يوحي بالتحرش، ما أدى إلى تداول واسع لصورته على الإنترنت، الأمر الذي دفعه إلى اللجوء إلى العدالة مؤكدا أنه ضحية تشهير لا غير، القصة فجّرت الجدل بعد انتشار الفيديو كالنار في الهشيم، كما أن المفارقة في القصة هي أن عائلة الفتاة طلبت لاحقا من الضحية التنازل، بعد أن أقرت بأن ابنتهم نشرت الفيديو فقط لأجل التفاعل وجلب المتابعين، واتضح أن الهدف من الفيديو لم يكن سوى “الترند” واصطياد المشاهدات، هذه الواقعة سلّطت الضوء على خطورة العبث بالمحتوى الحسّاس، وعلى تحوّل قضايا أخلاقية وجنائية إلى مجرد أدوات للركوب على الموجة.

البحث عن التفاعل الرقمي على حساب القيم الاجتماعية
لكن هذه الحادثة لم تكن معزولة، بل جاءت ضمن سلسلة من الحالات المماثلة، وبين رفض الفعل المشين، والوقوف ضد استغلاله كذريعة للتشهير والتضليل، يرى مختصون بضرورة بتشديد العقوبات على كل من يسيء استعمال المنصات الرقمية، مؤكدين أن محاربة التحرش لا تكون عبر “تكسير” سمعة الأبرياء، بل عبر الوعي، والتبليغ، وتطبيق القانون في مجاله الصحيح، كما أن رفض التحرش واجب إنساني وأخلاقي لا نقاش فيه، إلا أن تلفيق التهم واستغلال هذه القضايا للبحث عما يسمى بـ”البوز”، يشكّل انحرافا خطيرا، يضرب القيم الاجتماعية ويشوه النضال الحقيقي للضحايا الفعليين، وله عواقب قانونية وخيمة على مرتكبيها منها التصوير بدون إذن من السلطات والشخص ذاته.

تصوير الأشخاص جريمة والتبليغ عن التحرش له مساره القانوني

وفي سياق الموضوع، أكد المحامي إبراهيم بهلولي لـ”الشروق”، أن تصوير أي شخص بدون إذن قانوني أو بدون موافقته المسبقة يعد انتهاكا صريحا للحريات الشخصية، ويقع تحت طائلة القانون وفقا لما نصّت عليه المادة 303 مكرر من قانون العقوبات، التي تُجرم أي مساس بحرمة الحياة الخاصة للأفراد من خلال التصوير أو التسجيل الصوتي بدون ترخيص أو إذن.
وأوضح بهلولي، أن بعض المواطنين، بحسن نية، يلجئون إلى تصوير أشخاص يشتبه في تورطهم في قضايا تحرش، سواء في الفضاءات العامة أم داخل أماكن العمل، بهدف التبليغ أو توثيق الواقعة، غير أن هذا الأسلوب، بحسبه، قد يتحوّل إلى مخالفة إذا تم بدون احترام الإجراءات القانونية، خصوصا إذا شمل تصوير الضحية أو المتهم بدون رضاهما أو بدون علم السلطات المختصة.
وأضاف أن نشر هذه المقاطع عبر منصات التواصل الاجتماعي يعد خرقا للنظام العام، ويعرض صاحب التسجيل إلى ملاحقة قضائية، لاسيما إذا لم يحصل على موافقة الشخص المصور قبل عرض الفيديو، حتى ولو كان الهدف منه التوعية أو التبليغ.
وشدّد المتحدث على أن التبليغ عن قضايا التحرش يجب أن يتم يتخذ مساره القانوني، من خلال التوجه إلى مصالح الأمن المختصة، حيث يتم تسجيل شكوى رسمية تعرض لاحقا على النيابة العامة التي تقوم باستدعاء المتهم وفتح تحقيق في ملابسات الواقعة، وأشار إلى أن إثبات حالات التحرش ليس أمرا بسيطا، بل يتطلب أدلة قانونية واضحة وتحقيقا معمقا، تفاديا لأي ظلم أو تشهير قد يطال أبرياء، حتى لو كانت النوايا حسنة، قد يؤدي إلى عواقب قانونية وخيمة، داعيا المواطنين إلى التحلي بالوعي القانوني والمسؤولية عند التعامل مع مثل هذه القضايا الحسّاسة.

وضع حد للتشهير العشوائي باحترام خصوصيات الآخرين
من جهته، يرى الدكتور مسعود بن حليمة، مختص في علم الاجتماع، ضرورة تفعيل الوعي الرقمي في مثل هذه الظواهر، ووضع حد لممارسات التشهير العشوائي، التي تخلط بين الدفاع عن القضايا العادلة، وتوظيفها بشكل سطحي يخدم منطق “السوشيال ميديا” وليس الحقيقة.
قائلا إن قيام بعض الأشخاص وبالتحديد النساء بتصوير مشاهد يعتقدون أنها تحرش أو سلوك غير أخلاقي، ثم نشرها على مواقع التواصل، قد تضر أكثر مما تنفع، لأنها تخلق جوا من الشك والخوف بين الناس، وتجعل كل شخص يشعر بأنه مراقب أو معرض للتشهير في أي لحظة، حتى لو لم يرتكب شيئا.
وأكد أن المجتمع بحاجة إلى وعي أكبر واحترام لخصوصية الآخرين، لأن نشر فيديو بدون إذن يمكن أن يسبّب أذى نفسي كبير، وقد يؤدي إلى مشاكل اجتماعية لا يمكن إصلاحها بسهولة، خاصة بين الأزواج، مشيرا إلى أن حل هذه المشاكل يبدأ من التربية والتوعية، وليس من تصوير الناس وتشويه صورتهم أمام الجميع.

مقالات ذات صلة