الجزائر
وزير خارجية باريس يطلق تصريحات مستفزة في ظرف حساس:

تساؤلات حول جدية الطرف الفرنسي في تصليح العلاقات مع الجزائر؟!

محمد مسلم
  • 773
  • 0
ح.م

تسير تصريحات وأفعال المسؤولين الفرنسيين على خطين متوازيين فيما يتعلق بالعلاقات مع الجزائر، الأمر الذي من شأنه أن يعرقل وتيرة التهدئة بين البلدين، ويبقي على العديد من الملفات عالقة إلى إشعار آخر، وفي مقدمتها ملف الصحفي الرياضي، كريستوف غليز، الذي تتودد باريس إلى الرئيس عبد المجيد تبون من أجل إصدار عفو عنه.
هذه المقاربة تنطبق حرفيا على التصريحات التي صدرت عن وزير أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسي، جون نويل بارو، خلال زيارته إلى المملكة المغربية، نهاية الأسبوع المنصرم، والتي ستخلف من دون شك، غضبا كبيرا لدى صناع القرار في الجزائر، بالنظر إلى توقيتها وكذا مكان إطلاقها، حيث يتوقع أن تترسخ لدى الجزائريين قناعة بعدم جدية باريس في إقامة علاقات هادئة ومستقرة في إطار الاحترام المتبادل.

الغموض يلفّ زيارة سعيود… ومؤشرات سلبية قد تكون لها علاقة بالتأخر

وحملت تصريحات رئيس الدبلوماسية الفرنسية استفزازات خطيرة للجزائر في ظرف جد حساس (بعد يومين فقط من زيارة وزير العدل الفرنسي)، حيث قال في فيديو على موقع الخارجية الفرنسية: “… وبالعودة إلى الصحراء (الغربية)، التي أعلم أنها مسألة وجودية بالنسبة للمغرب، ولكنها أيضًا ذات أهمية استراتيجية لفرنسا والمنطقة. كما تعلمون موقف فرنسا، كما قال رئيس الجمهورية، فإن حاضر هذه المنطقة ومستقبلها يقعان ضمن إطار السيادة المغربية”.
واضاف: “خطة الحكم الذاتي التي اقترحها المغرب هي الأساس الوحيد لحل سياسي عادل ودائم وقابل للتفاوض. وقد تبنى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة هذا النهج في قراره رقم 2797. ولا يسعه إلا أن يرحب بهذا الزخم الإيجابي، وكذلك باستئناف المناقشات المباشرة بين جميع الأطراف المعنية استنادا إلى خطة الحكم الذاتي هذه”، مشيرا إلى أن “فرنسا تظل ملتزمة بأخذ زمام المبادرة. لن نتردد في دعم الجهود الكبيرة التي تبذلها المغرب لتنمية هذه المناطق والعمل لصالح سكانها”.
ومضى في استفزازاته قائلا: “كما أعلنتُ في عام 2024، فقد عززنا وجودنا القنصلي وأنشطتنا الثقافية، بافتتاح مركز لتقديم طلبات التأشيرة وإنشاء مركز التحالف الفرنسي في العيون. وقد افتتحنا للتو مدرسة جديدة هناك، وتستثمر شركاتنا، وتدعمها الوكالة الفرنسية للتنمية وشركاؤنا، وهذه مجرد بداية”.
وتأتي هذه التصريحات في الوقت الذي تشهد العلاقات الجزائرية الفرنسية تقاربا لافتا، تمثل في زيارة ثلاثة وزراء فرنسيين إلى الجزائر في نحو ثلاثة أشهر، كما تكللت هذه الزيارات باستئناف التعاون الأمني وقيام القنصليات الجزائرية بإصدار تصاريح قنصلية للعشرات من الجزائريين الموجودين بطريقة غير شرعية على التراب الفرنسي.
ولم يحصل هذا التقدم إلا بعد جهود حثيثة وإصرار من الطرف الفرنسي، وخاصة رئيسة “جمعية فرنسا الجزائر”، سيغولين روايال، التي يرجع لها الفضل في خفض التوتر، وبالمقابل يأتي وزير الخارجية جون نويل بارو، ليهدم كل ما حصل من تقدم بتصريحات طائشة وغير مسؤولة تسير عكس المنحى الذي دخلته العلاقات الثنائية منذ مطلع العام الجاري.
والمثير في الأمر هو أن وجود رئيس الدبلوماسية الفرنسية ضيفا لدى النظام المغربي، لا يتعلق بزيارة تخص العلاقات بين الرباط وباريس، وإنما في إطار افتتاح “المؤتمر الوزاري الثاني حول حفظ السلام في الفضاء الفرانكفوني”، وهو لقاء إقليمي لا يرتقي إلى مستوى هذه التصريحات المستفزة وغير المسؤولة مع دولة تعتبر الأكبر في إفريقيا، كما جاء على لسان وزير العدل الفرنسي، جيرالد موسى دارمانان.
ويمكن تلمس عدم جدية الطرف الفرنسي في بناء علاقات هادئة مع الجزائر، من خلال مقارنته بالموقف الإسباني من قضية الصحراء الغربية، فمنذ التغير الذي حصل في موقف مدريد من هذه القضية، أقلعت مدريد تماما عن الخوض في هذه المسألة، إن على مستوى هيئة الأمم المتحدة، أو على مستوى زيارات الدولة، عكس السلطات الفرنسية التي ذهبت بعيدا في التعاطي مع قضية الصحراء الغربية.
وكما جاء في كلام دارمانان، فقد تجاوز دعم النظام المغربي في قضية الصحراء الغربية دبلوماسيا، كما حصل في أكتوبر المنصرم على مستوى هيئة الأمم المتحدة، بجر دول أوروبية غير دائمة العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، لمساندة النظام المغربي، إلى تقديم الداعم المالي (تقديم قروض) للقيام بمشاريع غير قانونية في الأراضي الصحراوية المحتلة، فضلا عن قيام العديد من المسؤولين الفرنسيين بزيارات إلى الصحراء الغربية، في مخالفة صريحة لقرارات الأمم المتحدة ذات العلاقة، التي لا تعترف بأن الصحراء الغربية جزء من المملكة المغربية، وحتى للعدالة الأوروبية، التي يتعين على باريس التقيد بها باعتبارها خاضعة لها بحكم الاختصاص الإقليمي.
ويتذرع الفرنسيون بسيادية الموقف في السياسة الخارجية عندما يُدعون إلى التعليق على تغيير موقفهم من قضية الصحراء الغربية، غير أن الرئيس عبد المجيد تبون، كان قد وصف المواقف الفرنسية من هذه القضية بـ”غير الودية”، بمعنى أنه حتى ولو كانت السياسة الخارجية للدول سيادية، فإن الإمعان في استفزاز دولة في الوقت الذي تسعى فيه إلى استعادة العلاقات معها، يعتبر موقف “غير ودي”، من شأنه أن يلقي بظلاله على هذه المساعي.
وتتزامن هذه التصريحات مع إعلان وزير الداخلية الفرنسي، لوران نونياز، عن تأجيل زيارة نظيره الجزائري، سعيد سعيود إلى فرنسا، وإن بررها نونياز بتزاحم أجندته الحكومية، إلا أن التصريحات المستفزة التي صدرت أيضا عن وزير العدل الفرنسي بعد عودته من زيارته إلى الجزائر، قد تكون لها علاقة بتأخر زيارة المسؤول الجزائري، وهو ما ستكشفه الأيام القليلة المقبلة.

مقالات ذات صلة