تسارعٌ إلى الأمام عبر العودة إلى الخلف
التحول الذي يعيشه العالم، أسرع مما سبق، تماما مثل سرعة السيارة عن الوصول تكون أسرع من سرعة الانطلاق أو سرعة منتصف الطريق. كلما مر الزمن، تحولت سرعة التغير والتحول والتبدل إلى السرعة القصوى. هذه السرعة، تدفع إلى فقدان التحكم والسيطرة على مقاليد التغيير، فهناك اختلاف بين التغيّر والتغيير. نحن هنا أمام تغيّر سريع بفعل التغيير الذي أحدثه الإنسان في تثوير وتطوير وتحديث الزمن، الذي يتجه إلى التقلص شيئا فشيئا باتجاه لا نعرف مداه في مستقبل الزمن البعيد فضلا عن المتوسط والقريب.
الأحداث في نقطة تلاقي الشرق مع الغرب، باتت مقلقة أكثر من أي وقت مضى، وبات العالم أكثر ميلا إلى الخوف وانعدام الأمن والغذاء: عنصران مرتبطان لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر.
يقول المنظر الأمريكي بريجنسكي بشأن سقوط جدار برلين وإعلان بوش الابن أن الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي وأمريكا قد انتهت بغلبة أمريكا، بأن ذلك كان أكبر خطأ ارتكبه الساسة الأمريكان، أي إعلان النصر في حرب باردة لم تُطلق فيها رصاصة واحدة. لقد فسر بريجنسكي هذا بكون أن الإهانة التي أراد الأمريكان والغرب عموما إلحاقها بالسوفييت، قد تقلّب المواجع وتعيد الحرب الباردة من جديد، إن لم تكن أسخن من سابقتها.
هذه القراءة، هي قراءة جيو إستراتجية لخبير ومفكر وديبلوماسي، وهي أيضا خلاصة دراسة للتاريخ من موقعه كأستاذ جامعي وباحث سياسي وتاريخي: فقلد كانت الهزيمة المذلة لألمانيا في الحرب العالمية الأولى وما نتج عنها من إمعان في إذلالها وتقليم أظافرها والتحكّم في مصيرها وسلاحها وسياستها الخارجية، هي ما دفع بالقوى الرافضة لهذا الإذلال في الحزب القومي الاشتراكي الألماني (النازي) إلى امتشاق فكرة ردّ الفعل والانتقام من مذلة حرب 1914ـ 1918، والتي فجّرت العالم كله بعدها في حرب عالمية ثانية.
إظهار الانتصار، والإمعان في إذلال الخصم، هو تحريضٌ على رد الفعل والانتقام للأجيال المقبلة التي ترفض هذا الإذلال. هذه قاعدة عامة نفسية واجتماعية وسياسية وتاريخية وفيزيقية أيضا: فعلٌ وردُّ الفعل.
انهيار الاتحاد السوفيتي في بداية التسعينيات مرّ عليه اليوم نحو 30 سنة، أي جيل بأكمله تقريبا. الجيل المخضرم اليوم يقود حملة إعادة البوصلة القديمة إلى توجُّهها الأولى، لكن بغير الإيديولوجيا السابقة، بل بإيديولوجيا جديدة يحاول قادة الكرملين القدماء الجدد تبنيها على أنقاض الشيوعية التي لم يبق منها إلا العنوان، بما في ذلك “الصين الشعبية”. روسيا اليوم، روسيا بوتين، ترتكز على الإيديولوجيا الدينية المسيحية الأرثوذوكسية، التي تحاول أن تعيد لها أمجادها وتبيِّن أنها، وإن تبنَّت الرأسمالية كعقيدة اقتصادية، إلا أنّ عقيدتها الاقتصادية، هي من منطق مسيحي ديني غير كاثوليكي، بعلمانية اجتماعية متديّنة، خلافا للعلمانيات الغربية المعتمدة على الفردانية، وعلى ذهنية الربح بلا ضوابط أخلاقية. إنها أقرب إلى الليبرالية البروتستانتية التي تحدَّث عنها ماكس فيبر في كتابه “الأخلاق البروتستنتية والروح الرأسمالية”، التي تتشبَّع بها أمريكا، لكن مع فارق جوهري هو العقلية الشرقية والفكر الغربي.
الشرق كان مختلفا موقفا وموقعا، منذ الحضارات الأولى الصينية والهندو آسيوية، ثم الفارسية والإسلامية، وهذا ما حاول بجدّ أن يفسّره المستعربون والمستشرقون، لكن من دون أن يقفوا على الآليات الذهنية والنفسية لهذه الفكر ولهذا الموقف المبني على الموقع، إلا على قواعد الانتماء الجغرافي البيئي المنتِج لذهنية فكرية بيئية مغايرة.
روسيا اليوم، يبدو لها أنها تبحث عن استرداد، ليس مجدها التاريخي الذي “افتكته” منها أميركا، كما “افتكت” هي في الخمسينيات من الغرب الأوروبي القديم تركته الاستعمارية لصالح قوى التحرر الوطنية وحسب، بل، انتصارا لحقها التاريخي المهدور ولكبريائها المطمور: فعلٌ يقابَل برِّد فعل.. وردُّ فعل يقابَل بردِّ فعل.. ولا أحد يعلم أين يتجه العالم.. فعلا.