تصرف الملايير على فناني المشرق بينما نحن نعامل كمطربي أعراس
20 سنة مضت عن آخر حفل أحياه في الجزائر وبالضبط من ركح مهرجان تيمڤاد، بمجرد أن أصبح ألبومه الجديد “الوالدين” و”إنشاء الله” جاهزا حتى حزم أمتعته وغادر أمريكا إلى وطنه الجزائر، لا يزال يفضل جمهوره الجزائري رغم آلاف الجماهير المتعددة الجنسيات التي أصبحت تتابع مساره بفضل تركيزه على الموسيقى، لا يزال يحلم رغم رفض المسؤولين بتنظيم حفل فني استعراضي ضخم في الملعب وكله ثقة بان جمهوره سيكون مليوني، علاقته بايدير وموقعه من تظاهرات الجزائر الثقافية الكبرى وغيرها من المواضيع التي تناولناها في هذا الحوار.
- = جديدك “الوالدين “وإنشاء الله” كان مبررا قويا لغياب جاوز الست سنوات عن الساحة الفنية.. هل هو خيار أم ضرورة اقتضاها البحث الموسيقي؟
-
== فعلا تغيبت عن الساحة الفنية أزيد من ست سنوات وهو غياب له مبرراته المهنية، فالموسيقى فن وعلم أيضا ويجب أن نجدد بالبحث في عمق مختلف الأنواع الموسيقية والاشتغال عليها، خاصة وأن الساحة الفنية اليوم معقدة والأوضاع تزداد صعوبة يوما بعد يوم، فاكبر وأشهر المنتجين أغلقوا أبوابهم أمام المطربين بسبب ظاهرة القرصنة التي تعدت الحدود، ولم يجدوا لها حلا جذريا من شأنه حماية الفنان، المشكل ليس في الأغاني وإنما في طريقة تسويقها في ظل مشكل التحميل والقرصنة الفنية التي طالت، ولا تزال أبرز الأسماء الفنية في العالم، إضافة إلى أنني شخصيا أحب أن أطبخ انتاجاتي على نار هادئة وأخذ الوقت الكافي، لأنني أقدم فنا وعلي أن احترم جمهوري حتى يحترمني بدوره ويقدر ما أقدمه له.
-
= هل وصل تاكفاريناس إلى العالمية؟ ومادور اهتمامه بالموسيقى في تسويق هويته؟
-
== أنا أؤمن بأن الموسيقى لغة عالمية، وعليه أركز كثيرا في أعمالي على الاشتغال الموسيقي لأتمكن من الوصول إلى جمهوري الواسع في العالم، حتى وإن لم يفهم الموضوع وكلمات الأغنية، وأتذكر أن الجمهور في إحدى حفلاتي بالدانمارك وخلال تجاوبه معي بدأ يبكي، استغربت فعلا يومها وكنت متأكدا أن سبب البكاء ليس الكلمات، بعد الحفلة قالوا لي أننا فهمنا من خلال الموسيقى ما أردنا فهمه، تاكفاريتناس قبل أن يكون مطربا هو موسيقي، حيث بدأت رحلتي مع العزف مع أخي وأنا في سن الرابعة وقدمت معه أغنية “يا الكمال” وأنا في سن الـ12 وصعدت على الركح لأول مرة وأنا في السابعة من عمري، وعليه أشعر دائما أن الموسيقى اختارتني وسحرتني منذ نعومة أظافري فبقيت مدينا لها بالولاء والاهتمام، لا يمكن أن اختار الكلمات دون أن اهتم بالموسيقى، مستحيل، وأؤكد أن الفنان الذي يهتم بالجانب الموسيقي سيصل إلى العالمية لأن العالمية ليست أن تشوه هويتك وتقضي عليها بل أن تسوقها للآخر وترغمه على قبولها والتفاعل معها، وهذا ما استطاعت الموسيقى الجزائرية باختلاف طبوعها أن تفعله في العالم وأن تبهر الجماهير.
-
= العلاقة بين الشعبي والأغنية القبائلية تاريخية، ولكن قليلون من أعادوها إلى الواجهة اواستثمروا فيها، كيف جاءت الفكرة؟
-
== العلاقة قديمة جدا وأبرز المطربين أدوا القصيد أو الموروث الشعبي بالأمازيغية، وأنا أعدت هذه العلاقة كما اشتغلت على اليال والحوزي وغيرها من الأنواع الموسيقية، الهدف بالنسبة لي كان مسطرا منذ البداية، أردت أن تكون عودتي قوية وفعالة وأن يكون الألبوم إضافة في الريبارتوار الموسيقي للجزائر، أردت خاصة أن أقدم دليلا فنيا للشباب وأتمنى أن يكون كذلك بعد نزوله منذ خمسة أيام إلى الأسواق.
-
= كرمت مايكل جاكسون وجاك بريل وكاتشو وڤروابي وحرصت على أن يكون الملف الصحفي مفصلا ووفرت قراءة في الألبوم باللغات الامازيغية والعربية والفرنسية والانجليزية، أنت ممن يهتمون كثيرا بالتفاصيل والتجديد.
-
== فكرت في تكريم هؤلاء الفنانين الذين أحبهم والذين قدموا للإنسانية فنا لا يموت أما بالنسبة لاهتمامي بالتفاصيل فهذا واجبي، وهذه الثقافة مكرسة في الخارج أي أن تولي اهتماما بالغا بالصحافة وبشركائك الفنيين حتى تحظى بالاحترام المطلوب وهذه هي المهنية التي تعلمتها من خلال تعاملاتي الكثيرة مع المنتجين في الخارج.
-
= لاحظنا أن موجة شبابية تحرص في أدائها للأغنية القبائلية على الريتم والرقص دون الاهتمام بالكلمة أو الرسالة ما رأيك؟
-
== كما قلت لك نحن مسؤولون على توجيه هذه المواهب ومساعدتها بإعطائها المثل والقدوة، والحمد لله الجزائر أنجبت أسماء فنية أدت الأغنية القبائلية بامتياز وأثرت الريبارتوار دون أن تسيء للهوية الامازيغية بل نجحت في أن تكون سفيرة لها في مختلف أنحاء العالم، الأكيد أن الأغنية القبائلية ليست “الشطيح” فقط هي فن حقيقي وعميق، أتمنى أن نحافظ على جهود الحاج العنقى، الهاشمي ڤروابي، معطوب الوناس، آيت منڤلات وإيدير وغيرهم من عمالقة الفن الجزائري.
-
= ما تقييمك للأصوات الشابة التي بدأت تظهر؟ وهل هي قادرة على حماية هذا الموروث الموسيقي؟
-
== طبعا هناك خلف للأغنية القبائلية وأثق شخصيا في قدراته وأفكاره وطموحاته، يبقى أن نمد له يد المساعدة وأن ندعمه ولو معنويا، أنا متأسف فعلا على أن الساحة الفنية تعرف نشاط وتألق أربع أسماء إلى خمسة فقط، نحن بحاجة المزيد بحاجة إلى العشرات من المهتمين بهذا الإرث الموسيقي الحضاري من الشباب الحريص على الكلمة واللحن معا، جميل أن يكون الريتم خفيف وجميل أيضا أن يكون للكلمات معنى وللأغنية رسالة، الأغنية القبائلية كغيرها من الطبوع تتأرجح بين النجاح والتراجع، نلاحظ ظهور جيل جديد له نظرته إلى الأغنية القبائلية وله طريقته الخاصة في تقديمها، طبعا لا يمكن أن نضعها في قالب ونجبر الجميع على الأداء وفقه، ولكننا كجيل بذلنا ما في وسعنا لنكون خير دليل للمواهب الجديدة ونشجعها، فمنهم من يغني ليرقص الآخرون ومنهم من يغني ليوصل رسائل معينة إلى القلب والعقل.
-
= ألا تظن أن دور الإنتاج هي التي تفرض الحصار على الكلمة الهادفة والأغنية الجادة وتروج للأغنية الراقصة التافهة بهدف تجاري محض؟
-
== لا أظن أن المنتج يتحكم في أذواق مجتمع بأكمله، الصبر مطلوب لمواجهة التجار الذين لا انفي وجودهم ولكنهم قلة والجمهور يحترم من يحترمه إذا أعطيناه فنا من أعماق القلب فحتما سيقبله ويفتح له الباب مباشرة، فالشعب الجزائري معروف بأنه من أصعب الشعوب إرضاء لأنه ذواق جدا..
-
* احتضنت الجزائر تظاهرات ثقافية وفنية كبرى، وتستقبل أسماء فنية عربية، على غرار ماجدة وكاظم في مهرجانات الجزائر.. إلا أننا لم نسمع عن حفل يحييه تاكفاريناس أو إيدير في الجزائر، رغم شهرتهما العالمية؟
-
– آه هذا هو السؤال الذي أطرحه على نفسي يوميا، لماذا أحظى بالاهتمام في مختلف دول العالم.. وتوجه إلي الدعوات شهريا وسنويا من دول شقيقة كالمغرب وتونس، ولا أغني في وطني الجزائر في ظروف شبيهة أو مناسبة تليق بي وبالفنان الجزائري؟ لا يمكن أن يزايد أحد على حبنا للجزائر، ولكن من حقنا أن نعود إلى الساحة الفنية، وأن نحظى بالاهتمام والاحترام مثلما نحظى به في دول أخرى. لم نطلب المستحيل، حتى إني ترددت في قبول دعوة من الدول المجاورة على غرار تونس والمغرب لمدة 15 سنة، واضطررت لذلك بعد إلحاحهم. وكان رفضي من باب أنه لا يعقل أن أغني في بلد مجاور ولا اغني في وطني.
-
* هل وجهت لك الدعوة؟
-
-الكثير من الدعوات، ولكن كل شروطي ترفض دائما، وبدون مبررات واضحة. تلقيت دعوة من وزارة الثقافة أيام المهرجان الثقافي الإفريقي في 2009، وقبلت الدعوة، ولكني طلبت أن أعود من الباب الواسع بعد غياب 20 سنة عن الركح الجزائري. أردت أن أعود في إطار حملة دعائية ترويجية من خلال لافتات وومضات إشهارية، وأن أغني في الملعب في حفل فني وفق المقاييس الفنية المهنية. لم أطلب ألكثير، فالجزائر بلد غني، وتصرف ميزانيات ضخمة للنهوض بالمشهد الفني والثقافي. وللأسف رفضت وزارة الثقافة شروطي ، رغم أنها بسيطة جدا والتكلفة لم تكن ستكلفها كثيرا. بعد غياب سنوات، أعود كرقم في أجندة الوزارة يحيي حفلا بسيطا والسلام؟ للأسف أنا احترم الآخرين وأحترم نفسي أيضا، والعودة من الباب الضيق إساءة للفنان الجزائري المغترب، الذي تفتح له أوسع الأبواب في الخارج ويعيش التهميش في بلاده.
-
* هل حاولت العمل مع شركات فنية قد تساعدك على تنظيم حفل خاص؟
-
– فكرت في ذلك، وتلقيت الكثير من المقترحات، ولكن مجرد كلام لأن مديري الأعمال في نهاية المطاف يجب أن يحصلوا على موافقة من الدولة، حتى أستطيع أن أحيي الحفل في ملعب كبير. ما يحز في نفسي أنه ومع احترامي لكل فناني المشرق كماجدة الرومي أو كاظم الساهر، ولكن الفنانين الجزائريين الأكثر شهرة، والأكثر طلبا في أمريكا أو فرنسا أو غيرهما. أتالم كثيرا عندما تغلق الأبواب في وجهي في بلدي.
-
– وهل أنت مدعو إلى “تلمسان عاصمة الثقافة الإسلامية 2011″؟
-
* اتصلوا بي من وزارة الثقافة، وقبلت المشاركة بصدر رحب، على أساس أن أبدأ جولتي الفنية للألبومين الجديدين، ثم تكون تلمسان المحطة الأخيرة أين أحيي فيها حفلا متنوعا. ولكن الاتصال توقف، ولم يعيدوا فتح النقاش معي أصلا، وأنا بصدد التحضير لفيديو كليب “شوية شوية”.
-
– متى كان آخر حفل أحييته في الجزائر عدا مشاركتك مؤخرا في برنامج “ألحان وشباب”؟ وهل تناولك لمواضيع سياسية واجتماعية في أغانيك هو سبب الرفض في رأيك؟
-
* آخر حفل كان سنة 1988 في مهرجان تيمقاد، وتوقف بعد أدائي لثلاث أغان، بسبب التوافد الكبير للجمهور الذي بقي نصفه خارج الموقع، مما سبب تصادما مع الحراس، وعندما طلبت ملعبا أقولها بلغة الواثق من جمهوري، وأؤكد أن مهرجان تيمڤاد أو جميلة لا يمكن أن يسعا جمهوري. قادر على ضمان مليون متفرج. وإذا كان السبب تناول الامازيغية والسياسة أو المجتمع السبب، فلست مستعدا للتنازل عن مبادئي وواقع الناس، من حقي الغناء عن الوضع الاجتماعي ومشاكل الجزائريين. هذه هي الديمقراطية، أم علينا أن نغني فقط عن العصافير وأن نرقص الناس، والدليل أنني غنيت للحراڤة.
-
ـ أصبحت الموضة اليوم العمل الثنائي مع أصوات نسائية من المشرق خاصة؟ هل فكرة “الثنائي” مصلحية أم فنية؟ أو من يحتاج لمن؟
-
* أديت بعض الأغاني الثنائية مع جزائريين، ولكن حقيقة هذه الموضة لا تهمني كثيرا، لأن الموسيقى لا تعرف موضات، ولا يمكن أن نعول على فكرة “الديو” لضمان الاستمرار.
-
– كيف هي العلاقة بين الفنانين الجزائريين في الغربة بين الغيرة الفنية والانتماء للوطن؟ ومن هو صديق تاكفاريناس الأقرب؟
-
* العلاقة موجودة ومستمرة نلتقي في أحيان كثيرة في مواعيد أو بالصدفة تجمعنا محنة واحدة وظروف واحدة، ولدينا أيضا هموم مشتركة، والغناء في الجزائر هو موضوع الحديث في أغلب الأوقات. شخصيا لست مع الحفلات التي تشبه الأعراس ومناسبات الزواج، وأفضل أن أحافظ على صورتي كما هي، إلى أن يتحقق الحلم يوما ما. صديقي القريب جدا هو إيدير، الذي للأسف لم تتح له الفرصة أيضا للغناء في بلده، في إطار وجود من يفصل في مجال الفن على مقاسه، ولا يهمه مقاس الآخرين.
-
– هل فكر تاكفاريناس في الغناء باللغة العربية؟
-
* لم لا؟ شيء وارد، ولكن مستبعد لأني أفضل المواصلة في هذا النوع، خاصة ومطربو الأغنية القبائلية قليلون، أما باللغة العربية، فالفنانون كثيرون وفي مختلف أنحاء الوطن العربي.
-
* كيف كانت تجربة التسجيل في استوديوهات أمريكية؟
-
– سجلت بأستوديو “افاتار” وكانت تجربة رائعة، بل مغامرة ناجحة، خاصة وأنه أستوديو سجل فيه فرانك سيناترا وبرينس، وهناك إذا لم تعجبهم الموسيقى فلن تجدي كل أموال الدنيا، ولن تنفع لأنهم أثرياء لا يريدون إلا العمل الجاد.
-
* هل فكرت يوما في خوض تجربة التمثيل؟
-
– أنا مطرب وأفضل أن أبقى في المجال الذي يمكن أن أضيف فيه. لم أفكر يوما في التمثيل، ولكني لن أمانع في المشاركة في عمل سينمائي كوميدي بالأمازيغية.. سأوافق حتما إذا توفرت الفرصة.