تصريحات “ماكرون” لـ”الشروق نيوز” تحدث ثورة في فرنسا!
يعد التصريح الذي أدلى به المرشح الأوفر حظا (حسب استطلاعات الرأي) للفوز في الانتخابات الرئاسية الفرنسية، إيمانويل ماكرون، بخصوص الماضي الاستعماري لبلاده في الجزائر، الأكثر جرأة وإنصافا من غيره من المسؤولين الفرنسيين.
ماكرون وفي الحوار الذي خص به قناة “الشروق نيوز”، لم يتردد في وصف الاستعمار بأنه جريمة ضد الإنسانية، عندما قال: “الاستعمار جزء من التاريخ الفرنسي. إنه جريمة، جريمة ضد الإنسانية، إنه وحشية حقيقية وهو جزء من هذا الماضي الذي يجب أن نواجهه بتقديم الاعتذار لمن ارتكبنا بحقهم هذه الممارسات”، إنه التصريح الذي لم يسبقه إليه أي من السياسيين الفرنسيين، الأمر الذي أحدث جلبة كبيرة في المشهد السياسي المشغول بسباق الرئاسة الفرنسية.
التصريح الأبرز بين مختلف الرؤساء الفرنسيين الذين خاضوا في الماضي الاستعماري، كان للرئيس المنتهية عهدته فرانسوا هولاند، وهو لم يتعد وصف الاستعمار بأنه “نظام ظالم”، تصريح يمكن وصفه بالمتطور، غير أنه لم يرقَ إلى تطلعات الجزائريين الباحثين عن اعتذار من قبل مستعمر الأمس، بسبب جرائم الإبادة التي سلطت عليهم طيلة أزيد من 132 سنة.
وإلى غاية شهر أكتوبر المنصرم، لم يكن موقف إيمانويل ماكرون يختلف كثيرا عن غيره من الساسة الفرنسيين، ففي حوار خص به مجلة “لوبوان”، تحدث عن جوانب إيجابية وأخرى سلبية للاستعمار: “كان في الجزائر تعذيب، لكن وبالمقابل أرسيت دولة ونشأت طبقات متوسطة، هذه هي حقيقة الاستعمار، فيه عناصر حضارة وممارسات وحشية..”.
غير أن تصريح ماكرون الأخير وبقدر ما ترك ارتياحا لدى الساسة الجزائريين، خلف موجة من الانتقادات الحادة في بلاده، وخاصة لدى الأوساط اليمينية واليمينية المتطرفة المعروفة بعلاقاتها المتشعبة مع “الحركى” والأقدام السوداء.
المرشح الجريح بفضائح عائلته، فرانسوا فييون، لم ينتظر طويلا ليعلق على تصريحات منافسه في سباق الرئاسيات، حيث اعتبرها “تملقا” للسلطات الجزائرية، وكلام مجاملة وجهه للمسؤولين الجزائريين، وبرأي فييون فإن ما صدر عن ماكرون “لا تستحقه” فرنسا.
وزير الدفاع الأسبق وصاحب الحركة المشينة والاستفزازية، جيرا لونغي، المعروف بحساسيته المفرطة من المطالب الجزائرية لبلاده بالاعتذار، اعتبر تصريح ماكرون “احتقارا للفرنسيين الذين بنوا فرنسا، وخاصة المليون الذين تم اجتثاثهم من جذورهم، مسيحيون مسلمون، يهود وملحدون، الذين اختاروا فرنسا”، والإشارة هنا إلى الأقدام السوداء و”الحركى” الذين غادروا الجزائر بعد 1962.
وحتى جون بيار رافاران الذي كان مبعوثا (مسهلا) لبلاده إلى الجزائر في العديد من المناسبات لتذليل الخلافات، خرج عن اتزانه ووجه سهاما مسمومة لماكرون، عندما قال إن “الذين يبحثون عن تناقضات بين الفرنسيين، ويحاولون إخراج مثل هذه القصص بغرض التقسيم أو إعادة التعبئة، أرى أن وراء ذلك أغراض انتخابية”، وختم بقوله: “ليس جديرا برئيس دولة النبش في جراح لا تزال مؤلمة”، فيما اعتبرت الجبهة الوطنية بزعامة مارين لوبان تصريحات ماكرون “طعنة في ظهر فرنسا”.