منوعات
خبراء يرّدون على قرار فتح القطاع الثقافي أمام الاستثمار الخاص

تصريحات ميهوبي استهلاك إعلامي ومشروع المدينة السينمائية لن يرى النور

الشروق أونلاين
  • 2589
  • 0
ح.م
وزير الثقافة عز الدين ميهوبي

تستعد وزارة الثقافة لإطلاق ندوة وطنية لمناقشة سبل إشراك القطاع الخاص في الاستثمار الثقافي تمهيدا لتحرير القطاع وفتحه أمام المبادرات الخاصة، وهذا في إطار الرؤية الجديدة الرامية إلى تجنيد القطاع للمساهمة في التنمية الاقتصادية، خاصة في ظل الظروف الجديدة التي تمر بها البلاد من تدهور لأسعار النفط والسعي للبحث عن موارد بديلة للدولة، غير أن فتح القطاع الثقافي أمام الاستثمار الخاص يطرح أكثر من تساؤل، بعد أن تم على مدار عقود اقتصار تسييره على الدولة واعتبره قطاع من قطاعات تجنيد الرأي العام في الاتجاه الذي يريده أصحاب القرار، وحسب الظروف التي تقتضيها المرحلة، فهل يمكن اليوم للجزائر حقا تبني وجهة نظر جديدة تقوم على المبادرة الفردية؟ وهل المنظومة القانونية مهيأة لرفع هذا التحدي؟، في هذا الإطار يطرح ثلاثة خبراء ثلاث وجهات نظر مختلفة في قراءة تصريحات وزير الثقافة بشأن السعي لتحرير الفعل الثقافي أمام الخواص، لكنها أيضا تتفق على أن مساهمة الثقافة في دعم الاقتصاد الوطني تمر أولا عبر تسطير سياسة وطنية جادة للقطاع وإشراك المجتمع المدني.

 

د. عمار كساب: تصريحات ميهوبي هدفها الاستهلاك الإعلامي وتحرير القطاع قبل الحديث عن الاستثمار الخاص

إشكالية استثمار القطاع الخاص في القطاع الثقافي إشكالية معقدة واستقطاب الخواص للاستثمار في هذا القطاع المميز أصعب بكثير من استقطابهم للاستثمار في القطاعات الأخرى، ويعود ذلك إلى ما يسمى بـمرض التكاليف لبومولوهي نظرية اقتصادية ظهرت في بداية الستينات من القرن الماضي، أثبت من خلالها الخبير الاقتصاديويليام بومولأن القطاع الثقافي هو أصعب قطاع يمكن للمستثمر أن يجني منه أرباحا، وانطلاقا من هذه النظرية راحت الدول المتقدمة منذ أكثر من خمسين سنة تضع الاستراتيجيّات والتشريعات والتسهيلات حتى يمكن للقطاع الخاص أن يستثمر في القطاع الثقافي،   هذا وبعد نفاذ أموال الريع في الجزائر، يأتي الوزير الجديد اليوم لإطلاق تصريحات أقل ما يمكن القول عنها إنها استهزائية، بما أنه يريد من خلالها إيهام المبدعين والناشطين الثقافيين بأنه سيخرج القطاع الثقافي من النفق المظلم. 

للتذكير فقد حاربت خليدة تومي علنا المستثمرين الخواص لمدة إثني عشر سنة كاملة، ووضعت الوزيرة السابقة لبلوغ هدفها إطارا تشريعيا ضخما في مجالات السينما والمسرح والكتابللتضييق على كل مبادرة خاصة في القطاع الثقافي، ومثال عن هذه التشريعات قانون السينما وقانون الكتاب والمرسوم المؤطر لتنظيم المهرجانات، ولنفرض أن كل تشريعات خليدة تومي قد ألغيت، فرغم ذلك لن يجد القطاع الثقافي في الجزائر من يستثمر فيه حتى ولو فتحت أبوابه على مصراعيها لأن المستثمر يريد أرباحا والمعروف أن رأس المال جبان، لن يحدث ذلك في ظل غياب مستهلك، حيث أنه معروف أن الجزائري قد انقطع عن استهلاك المادة الثقافية حتى و إن كانت مجانية،  أما عن مشروع ما يسمى بالمدينة السينمائية بسيدي بلعباس، فلن يرى النور، وإن رأى النور لن ينجح، وشخصيا لو كنت مسؤولا في مجلس المحاسبة، لحققت في المشروع لأنه من المستحيل أن يتبنى مستثمر خاص مشروعا سيخسر فيه أمواله، يجب أولا وقبل الحديث عن الاستثمار الخاص في الثقافة تحرير القطاع من قبضة الدولة، ووضع استراتيجية بعيدة المدى تحدد فيها أهداف فتح الأبواب لهذا القطاع ودور الدولة الذي يجب أن يكون دورا مسهلا وليس معسر، ويتبع ذلك دراسات عميقة عن التسهيلات التي يمكن للدولة توفيرها والضمانات كالحصول على قروض تحفيزية وتخفيض الضرائب.. إلخ، كل هذا في إطار وعي جماعي بأن قطاع الثقافة قطاع يمكن أن يخلق مناصب شغل مستديمة ويشارك في تنويع مصادر الدخل القومي.


الدكتور مخلوف بوكروح: “إيجاد سياسة ثقافية ضرورة حتى لا يعوض الاحتكار الخاص مركزية الدولة

لما أفلست الخزينة أعلنت وزارة الثقافة فجأة عن عزمها إشراك القطاع الخاص في الاستثمار الثقافي وفي الحقيقة فإن القرار يقوم على خلفية إفراغ الخزينة بعد 15 سنة من التبذير والإنفاق الغير مدروس على مهرجانات انتهت إلى الإفلاس والفراغ.

خلال 20 سنة خلت احتكرت الفعل الثقافي وتمت مركزية كل شيء له علاقة بالقطاع في الوزارة وأعتقد أن تصريح ميهوبي ربما يهدف إلى نقل هذه المركزية للاحتكار الخاص، وهذا لن يساهم في تحرير الفعل الثقافي بل بالعكس سيساهم في ازدياد تدهور الفعل الثقافي لأن العقلية الجزائرية غير مهيأة لاعتبار القطاع الثقافي قطاعا منتجا وأمامنا مثال صارخ عن  الحالة التي خلفها التنازل عن قاعات السينما في ثمانينات القرن الماضي للبلديات، فتدهورت وحولت في أغلبها إلى محلات تجارية أو قاعات حفلات، الجزائر اليوم لا تملك سياسة ثقافية تمكنها من تثمين الفعل الثقافي وإشراكه في تمويل الاقتصاد الوطني، والإشكالية هنا ليست  إشكالية قوانين لكنها تتعلق بغياب نظرة استشرافية تبني عليها القرارات وتسطر على إثرها الأهداف وتقيم بها النتائج، لأن لو كانت لنا سياسة ثقافية لتمكنا من تجنب الكوارث قبل حدوثها، وربما ما وصلنا إلى الأزمات التي نعيشها اليوم.

 في الدول الأروبية الخواص الذين يدّعمون الثقافة هم المثقفون والنبلاء من أصحاب المال ونحن لا نملك لحد الساعة طبقة من هذا النوع، التي بإمكانها أن تساهم في الفعل الثقافي بدون التفكير في الربح.

الجزائر تفتقر لشيء اسمه الإدارة الثقافية لأننا لو كنا نملك شيئا اسمه الإدارة الثقافية لاستطعنا أن نتنبأ بالكارثة قبل وقوعها ونحن مجبرون اليوم على تطوير الإدارة الثقافية وفق الخطط العصرية وأهم شيء هو إيجاد سياسة جادة للقطاع قبل التفكير في فتحه للخواص.

مقالات ذات صلة