الرأي

تعقيبًا على المستشار: زلاّت ومغالطات

مرة أخرى تعود يوم السبت 15 أوت الصحافة الوطنية إلى استجواب المستشار الأسبق الأستاذ أحمد تسّة لدى وزيرة التربية نورية بن غبريط. كان ذلك في الموقع الإعلامي TSA، وكان حول موضوع عنوانه “الفرنسية، والتربية الإسلامية، والمدرسة الجزائرية: إجابات أحمد تسّة بلا تابوهات”! وها هي إجابة من إجابات المستشار التي صدمتنا، قالها في حقّ المعرّبين: “هؤلاء الأميّون في اللغتين، الفرنسية والإنكليزية في معظمهم، مستعدون لقول أي شيء، وفعل أي شيء لتحقيق غايتهم، وهي: إزالة اللغة الفرنسية من المنظومة التعليمية. إنهم يشكّلون خطرًا على مستقبل أبنائنا.”

سنحاول إبراز بعض مغالطات المستشار في هذا الاستجواب. وحتى لا يتعالى علينا، ولأننا سنتناول مواضيع تمسّ بعضها الرياضيات والفيزياء لا بد أن نقدم أنفسنا لعل السيد المستشار يتواضع ويقلّل من الأحكام القطعية في موضوع التربية والتعليم، فلا أحد منا يمتلك الحقيقة المطلقة: نحن ممن درسوا خلال الخمسينيات في المدرسة الفرنسية، وواصلوا تعليمهم في الستينيات إلى غاية الثانوي على أيدي أساتذة فرنسيين، درّسونا حتى مواد الفلسفة والتاريخ والجغرافيا بلغتهم. وفي الجامعة، درسْنا الرياضيات -التي تخصصنا فيها- بالفرنسية، ثم واصلنا دراساتنا العليا ببلد عاصمته باريس. ودرّسنا الرياضيات في الجامعة لأكثر من نصف قرن دون انقطاع، ولازلنا، ونتقن ونلمّ بأكثر من ثلاث لغات، وعديد أبحاثنا في الرياضيات نشرت في مجلة أكاديمية العلوم الفرنسية في سبعينيات القرن الماضي. وامتدّ نشاطنا إلى التأليف وتعريب العلوم وإلى عضوية عديد المشاريع البحثية، منها التربوية ودراسة المناهج التعليمية التابعة لوزارتي التعليم عندنا؛ ونحن الآن من الأعضاء الدائمين في المجمع الجزائري للغة العربية. لذلك، نرجو من السيد المستشار ألا يزايد علينا في مجال اللغات والعلوم والتنظير في الشأن التربوي.

1. حول المنطق الرياضي

يقول المستشار: “وإلى اليوم، لا تتحدث وزارة التربية والنقابات التي تناضل من أجل اللغة الإنكليزية إطلاقا عن حذف فصل المنطق من برنامج الرياضيات ابتداءً من السنة الأولى ثانوي، منذ بداية الإصلاح. لم يفتح أحد فمه ليثير الموضوع”. إن الملاحظة المتعلقة بخطأ حذف المنطق من برنامج الرياضيات وجيهة وتستحق أن تحظى بكل الاهتمام. فالمنطق ليس فصلا ثانويا إذ يسهم في تكوين القدرة على الاستدلال، وفي ترسيخ الدقة الرياضية، واستيعاب المفاهيم الأساسية لأدوات الاستدلال الرياضي.

لكن اتهام الآخرين “بالصمت المطبق” فيه مغالطة كبرى للقارئ. فهذه المسألة لم يسكت عنها زملاؤنا من أساتذة الرياضيات في الجامعة والثانوية: منذ بداية الإصلاح، عبّر عدد كبير منهم ومن مفتشي الرياضيات عن استكارهم لهذا القرار، وظلوا ينبهون إلى خطورة هذا الحذف. وبالنسبة لي، كنت نشرت عديد المقالات في هذا المنبر المنتقدة لهذه الثغرة، وكذا في تقاريري الرسمية كمقيّم لكتب الرياضيات الخاصة بالتعليم الثانوي التي أشرفت عليها وزارة التربية. كما أُثيرت المسألة بقوة أمام الخبراء الفرنسيين الذين دُعوا آنذاك، وكذا في الفترة التي كنتَم فيها مستشارا لدى السيدة الوزيرة.

وكانت الإجابة التي تلقيناها منهم جميعا: “سيدرس التلميذ المنطق في الجامعة إذا ما تخصص في الرياضيات، ولا حاجة له به في الثانوي”! فأين كنتم في ذلك الوقت لإعادة المنطق الرياضي إلى مكانه؟ ولا شك أنكم تعلمون أن من أتى بفكرة حذف فصل المنطق وفرضها علينا هم الخبراء الفرنسيون… لأن في بلدهم أدمجوه في الفصول الأخرى بطريقة غير موفّقة في نظر الكثير عندهم. وهذا هو أحد الأسباب التي جعلت جيل اليوم في فرنسا يتراجع مستواه في الرياضيات مقارنة بالأجيال السابقة.

2. حول أولمبياد الفيزياء الدولي 2026

أراد السيد المستشار أن يؤكد على أن التفوّق العلمي يمكن أن يكون بلغة البلاد، وأن تبنّي الإنكليزية لا يضمن التفوّق. إنه عين الصواب. لكنه زلّ عندما أراد إثبات ذلك فجاء بمثال أولمبياد الفيزياء الدولي (IPhO 2026) الذي نُظّم في كولمبيا في مطلع جويلية. فضرب مثلا بتصنيف كوريا الجنوبية وبريطانيا ودول الخليج. لقد كرر 3 مرات اسم “كوريا الشمالية” في إجابته المكتوبة، وهو يقصد بها “كوريا الجنوبية” لأن كوريا الشمالية لم تشارك أصلًا في هذه المنافسة… وصنفها، في المرتبة الثامنة مفاخرا بها كنموذج لدولة تبنت لغتها الكورية في المدرسة، ونالت هذا الفوز العظيم! وقد ظلم المستشار كوريا في هذا التصنيف لسببين:

1) التصنيف في هذه المسابقة لم يأت بتصنيف البلدان بل تبنى تصنيف المشاركين بذكر أسمائهم وبلدانهم.

2) إذا تبنينا تصنيف البلدان حسب عدد ونوع الميداليات المحصل عليها (الميداليات الذهبية والفضية والبرونزية) فإن كوريا الجنوبية تصنف الأولى -وليست الثامنة- مع 5 دول أخرى (نالت كل واحدة منها 5 مدياليات ذهبية، وهو أقصى ما يمكن الحصول عليه من الذهبيات).

نلاحظ في هذا السياق أن المستشار لم يذكر إيران رغم أنها هي التي تحتل المرتبة الثامنة (وليس كوريا) في هذا التصنيف، لكنها تأتي في المرتبة الثالثة إذا اعتبرنا الدول الست التي تقاسمت الصدارة مجموعةً واحدة.

ويمضي في تصنيفه القائل إن بريطانيا في المرتبة التاسعة، بينما هي في المرتبة 35 ! وسنرى أن المستشار يثني على مكانة فرنسا في مجال الفيزياء بينما نجدها هنا في المرتبة 31.

ولم يتوقف السيد المستشار عند هذه الأخطاء في تصنيف الدول إذ استخفّ بدول الخليج بالقول إنها “في ذيل الترتيب” رغم “أنها تدرّس باللغة الأنكليزية” في دعواه! والحقيقة أنه لا يوجد في هذه المنافسة سوى دولتين مشاركتين من دول الخليج هما السعودية وقطر، وترتيبهما على التوالي هو 38 و 63 من بين 87 دولة: نالت السعودية ميدالية فضية و 3 برونزية وشهادة شرفية، ونصيب قطر كان ميدالية برونزية. فكيف يغالطنا المستشار بالتحدث عن مشاركة “كل” دول الخليج وأنها في “ذيل الترتيب”؟

وأخيرا، هل قارن المستشار مرتبة فرنسا (31) بمرتبة السعودية (38) مثلا؟ لو فعل، وكان منصفا، لَمَا استخفّ بالسعودية ولَمَا أثنى كل ذلك الثناء على الفيزياء في فرنسا الوارد في استجوابه. كما أن الزعم بأن جميع دول الخليج تدرّس العلوم باللغة الإنكليزية كلام من نسج خياله لأن الحديث هنا عن المرحلة قبل الجامعة وهذه الأولمبياد خاصة بتلاميذ الثانوي.

3. النجاحات العلمية الفرنسية لا تثبت تفوّق الفرنسية كلغة للتعليم

استدلّ المستشار بعدد جوائز نوبل التي فاز بها العلماء الفرنسيون في الرياضيات والفيزياء لإثبات أهمية اللغة الفرنسية في المدرسة الجزائرية. ولعل من المفيد لبعض القراء التنبيه بأن جائزة نوبل في الرياضيات لا وجود لها بل عوضت بجائزة أخرى. في هذا الاستدلال، يسقط المستشار في خلط أساسي بين مسألتين مختلفتين: فالمسألة المطروحة ليست معرفة ما إذا كانت فرنسا تمتلك تقليدا علميا متميزا في الرياضيات، فهذا أمر لا جدال فيه، وإنما معرفة ما إذا كان هذا التفوّق يثبت أن اللغة الفرنسية ينبغي أن تحتفظ بمكانة متميزة كلغة للتعليم في الجزائر. ثمّ إذا سلكنا منطق المستشار: لِمَ لا نستشهد بتفوّق الولايات المتحدة أو بريطانيا أو روسيا أو الصين لتبنّي إحدى لغاتهم في مدرستنا؟
أما نجاحات الباحثين الفرنسيين في الرياضيات أو الفيزياء فليست ناجمة من “المدرسة الفرنسية” أو من اللغة الفرنسية. فالمستشار يعلم أن هؤلاء العباقرة الفرنسيين هم من خريجي مدارس النخبة في فرنسا وليس من خريجي المدارس التي يزاول فيها التلميذ الفرنسي العادي دراسته. كما أنتم تعلمون أنهم خريجو “الأقسام التحضيرية” و”المدارس الكبرى” وليسوا خريجي الجامعات. ولذا فإقحام الجانب اللغوي في تبرير تفوّق الرياضيات الفرنسية مغالطة أخرى في تصريحات المستشار.

ولا شك أن المستشار يعلم أيضا أن تفوق جيل ما بعد الخمسينيات في الرياضيات، يرتبط في فرنسا بتقليد فكري رسمته جماعة بورباكي Bourbaki بعد الحرب العالمية الأولى. وهكذا تلقّى جزء معتبر من النخبة الرياضياتية الفرنسية الحالية تكوينه في مؤسسات شديدة الانتقائية يهيمن عليها رعيل بورباكي، وليس في “المدرسة الفرنسية” التي يدرس فيها عامة التلاميذ. والدراسات الدورية تثبت أن مستوى الرياضيات العام في المدرسة الفرنسية يتدهور باستمرار منذ مطلع الألفية. ولا يسع المقام لتقديم المزيد من التفصيل. والملاحظة نفسها تنطبق على مجال الفيزياء.

الخلاصة أن من الخطأ الجسيم أن نعزو تفوق فرنسا إلى كون هؤلاء العلماء تلقوا تعليمهم بالفرنسية؛ فاليوم لا يستطيع أيٌّ منهم الاكتفاء بهذه اللغة، كما هو الشأن لجميع الباحثين في العالم، وإلا عُزل تمامًا عن المجتمع العلمي العالمي، وكان مصيره النسيان وربما الاندثار. ألا يعلم المستشار بأن هناك تقديرات تقول بأن نحو 98% من أبحاث الرياضياتيين والفيزيائيين الفرنسيين تنشر بالإنكليزية، وليس منهم من لم ينشر بهذه اللغة؟ ألا يعلم المستشار أن في الجامعات الفرنسية أكثر من 60% من رسائل الدكتوراه في الرياضيات تم تحريرها باللغة الإنكليزية عام 2019؟ وأن الحال ليس كذلك في العلوم الإنسانية؟

وختاما نقول إن فرنسا يمكن أن تُذكر كمثال على تميزها العلمي في الرياضيات والفيزياء، لكن ذلك لا يبرر بأي حال من الأحوال الإبقاء على الفرنسية كلغة للتعليم في الجزائر. فثمة فرق بين نجاح نخبة علمية فرنسية أفرزها نظام مؤسساتي وثقافي وعلمي متكامل، وبين السؤال الأهم: ما اللغة التي تتيح اليوم للتلميذ والطالب الجزائري التعامل والوصول بأكبر قدر من الفعالية إلى المعارف العلمية العالمية؟

مقالات ذات صلة