جواهر

تعلمي منها يا من تخونين زوجك!

جواهر الشروق
  • 11849
  • 53

التقيتها في الحافلة المتوجهة من سطيف إلى العاصمة، شابة في ال33 من عمرها، كانت تضع ابنها الذي يبلغ من العمر 6 سنوات في حجرها حتى لا تدفع ثمن تذكرة أخرى، لم تكن ملامحها الهادئة تشي بأنها تحمل همّا لا يقوى على حمله إلا من أوتي صبرا قويا.

اعتدلت في جلستها بعد أن أخذت غفوة سريعة وهي تسند رأسها للنافذة، ثم استدارت نحوي وقالت إنها جاءت من العاصمة على الرابعة صباحا لزيارة زوجها في أحد السجون، كانت تتكلم كمن ضاقت نفسه بالهموم وأراد أن يفتح لها ثقبا حتى لا تنفجر داخله، لذلك كانت مسترسلة في الكلام، وأنا أستمع إليها بإمعان دون أن أقاطعها.

عن قصد، أو عن غير قصد، حاولت هذه السيدة أن تصور لي أن زوجها الذي يكبرها بنحو 10 سنوات، إنسان فاضل وذو خصال طيبة، حتى تصورت أنه دخل السجن ظلما وعدوانا، ولكنها فاجأتني ونحن نقترب من العاصمة، وبعد مسافة طويلة قضيناها معا، أنه دخل السجن بسبب المخدرات، محاولة أن تنفي عنه كل ما قد يطعن في سيرته وأخلاقه، حيث حمّلت الظروف الاجتماعية مسؤولية تعاطيه هذه السموم، قائلة أن أسرته طردته من البيت بسبب خلاف بدأ بسيطا ثم تطور إلى مشكلة كبيرة، الأمر الذي اضطرها للعودة إلى أهلها، ليبقى هو مشردا في الشوارع بعد أن رفض أن يقيم معها في بيت عائلتها حفاظا على كرامته، وكان كلما اتسخت ثيابه رماها واشترى غيرها لأنه كان يرفض أن يأخذها إلى زوجته لتغسلها، وضاقت به الحال، وتجيّشت عليه الهموم، فقررت زوجته أن تخفف عنه، فقامت ببيع كل ما تملك من مجوهرات واستدانت مبلغا من أهلها لتساعده على شراء بيت قصديري، وبعد شهور قليلة تم القبض عليه في قضية مخدرات، ليتركها وحيدة مع طفلين صغيرين وليس لديها أي مدخول سوى ما تجود به عليها أسرتها، ورغم ذلك لم تتخل عنه، بل كانت تزوره كل شهر في السجن، حتى في العيد، وهي تحمل له ما لذّ من الطعام، ورغم أن هناك من حرّضها على الطلاق منه، إلاّ أنها ظلت وفية له، وكلما زارته في السجن عبّرت له عن تمسكها به، وإخلاصها له، وأنها لا تكف عن الدعاء له في صلاتها أن يهديه الله إلى الصراط المستقيم، مضيفة “أن الله هو من سيحاسبك ولست أنا”.

نزلت هذه السيدة من الحافلة قبل المحطة الرئيسية وهي تقصد مكانا بعيدا يحتاج إلى مواصلات أخرى، وهي التي استيقظت في الثانية صباحا لتعدّ “القفة” لزوجها، وتستقل في الرابعة السيارة التي قطعت بها مسافة بعيدة لتعود في نفس اليوم إلى بيتها من أجل زوج يرى الكثيرون أنه لا يستحق التضحية، ولكنها ترى غير ذلك.

في تلك اللحظة، تذكّرت ما سمعته من سيدة كانت تتحدث بغضب شديد عن نساء يتركن أطفالهن عند جارتها الحلاقة ليذهبن إلى مواعيد غرامية مع رجال تعرّفن عليهم في مناسبات مختلفة، والمثير للسخط أن هؤلاء النسوة يعلّن أمام النساء الجالسات في القاعة، ودون خجل أو وجل، أن المرأة المتزوجة التي لا تتخذ خليلا في هذا العصر تعتبر متخلّفة، فشتّان بين امرأة صانت نفسها، وأخلصت لزوجها وهو خلف أسوار عالية يقضي عقوبة خطأ ارتكبه، وبين امرأة ربما بينها وبين زوجها أمتار قليلة، وربما تصبّب عرقا ليجني المال ليسعدها.

مقالات ذات صلة