الرأي

تعليمنا العالي.. إلى أين؟

عمر أزراج
  • 1920
  • 0

في هذه الأيام قرأنا مرة أخرى خبرا نُشر في بعض الصحف الوطنية، مفاده أن مجلس أساتذة التعليم العالي والبحث العلمي سوف “يشنّ” إضرابا في جامعاتنا ولكن لا أحد يعرف متى ويحدث هذا الإضراب الذي يلوّح به وكم سيدوم؟

 من المعروف أن معظم الإضرابات التي تحدث وتتكرر في بلادنا تدخل في نطاق المطالبة بإصلاح الأوضاع المادية المختلفة كرفع الأجور، أو من أجل إصلاح الوضعيات الإدارية، ومن دون شك فإن من حق المدرسين والأساتذة والمشرفين على تأطير العملية التربوية والتعليمية في منظومتنا التعليمية بكل مستوياتها أن يطالبوا بحقوقهم وأن توفر لهم الإمكانيات لإشباع حاجياتهم لكي يتفرغوا لتكوين أنفسهم أولا وللإشراف الفعلي على بناء عقول الأجيال الصاعدة ثانيا.

وكم أتمنى حقا أن أشاهد هؤلاء يدخلون في إضرابات ناعمة من أجل رفع مستوى هذه المنظومة سواء في المجال اللغوي أو في مجالات البحث العلمي في حقول العلوم الإنسانية، والعلوم الدقيقة، وغيرها من التخصصات التي بدون تطويرها وتحديثها وفقا للمعايير العالمية المتقدمة ستبقى الجزائر رهينة للتخلف بكل أشكاله.

ولاشك أن الأخ الطاهر حجار وزير التعليم العالي والبحث العلمي، الذي تربطني به علاقة صداقة لسنوات عدة، يتمتع بكفاءة وبتجربة غنية بحكم عمله كأستاذ ثم كمدير لجامعة الجزائر على مدى سنوات طويلة، ولكن المشكلة التي يعاني منها الجهاز المركزي لهذه الوزارة، والتي ورثها عن الوزراء السابقين الذين تولوا مسؤولية هذا القطاع، تتمثل أساسا في افتقارها إلى الإطارات المقتدرة والمتخصّصة في علم وفن استراتيجيات التعليم العالي الكبرى التي هي وحدها القادرة على تحويل الجامعة إلى “عقل جماعي” فعّال ومتطور ومتعدد التخصصات يفكر ويخطط للأمة في كل المجالات بما فيها المجال السياسي، وما يتصل بالتنمية الوطنية المادية، والفكرية والروحية التي يتوقف عليها مصير مجتمعنا.

 لقد حان الأوان أن نتساءل: لماذا لا تقوم الجزائر باستقطاب كبار الأكاديميين والعلماء والمفكرين في مختلف التخصصات من الخارج كما تفعل دولٌ كثيرة للاستفادة من معارفهم وخبراتهم وتطعيم تعليمنا العالي وإطاراته بها؟

صحيحٌ أنه يوجد في وزارة التعليم العالي مديرون ونواب مديرين، ومفتشون، ومكلفون بالمهام، وأعضاء لجان مختلفة… ولكن أغلب هؤلاء هم محض إداريين وليسوا على تماس مباشر بمشكلات مستوى التدريس والبحث من جهة، وغير مكونين التكوين الراديكالي الذي يمكّنهم من الإشراف على ممارسة تقنيات التوجيه المتعدد الذي يدعوه مالك بن نبي بتوجيه الثقافة، والتوجيه الجمالي، وتوجيه المنطق العملي، والتوجيه الأخلاقي.

ربما يلومني أحد ما بقوله أنني أشتطّ في الأحكام، وجوابي له هو: لو كانت لدينا هذا النوع من الأدمغة لما انحدر مستوى التعليم العالي عندنا كل هذا الانحدار حتى أصبحنا لا نطالب طالب الماجستير أو الدكتوراه ببناء النظريات الفكرية، والأدبية، والفنية، والتقنية، والعلمية المبتكرة، وتفعليها عمليا وجعلها منتجة في حياتنا بكل تفريعاتها الاجتماعية، والاقتصادية، والمهنية وهلم جرَا، بل صرنا نتمنى فقط أن يركّب هذا الطالب جملاً المفيدة، وأن لا يذكّر نون النسوة وأن لا يجرّ الفاعل.

 كما هو معروف في تقاليد التعليم العالي في الدول المتقدمة – التي تقل المسافة الفاصلة بينها وبين بلادنا عن المسافة الفاصلة أو الواصلة بين الجزائر العاصمة وبين تندوف أو تمنراست- فإنَ هذه الدول تملك مجلسا وطنيا أعلى للتعليم العالي يعمل فيه كبار المفكرين والعلماء المتخصصين، وشغلهم الشاغل هو التخطيط والتفكير ووضع التصورات الإستراتيجية لهذا الصنف من التعليم، وفضلا عن ذلك فإن وزارت التعليم العالي في هذه البلدان تملك أيضا حلقات دراسية دائمة ومتخصصة تضم أبرز الإطارات الأكاديمية الفكرية، والعلمية، والثقافية، والبيداغوجية على المستوى المركزي وعلى مستوى الولايات، وتناط بهذه الحلقات أو لجان التفكير مهمة مراقبة مستوى التدريس ونوعيته، والقيام بتدريب الأساتذة ورفع مستواهم العلمي والبحثي، وتسند إليها أيضا شرح عمليات البحث والاكتشاف العلميين في الميدان.

 الجزائر لا تنقصها الأموال وهي قادرة على صنع العجائب لو توفرت الإرادة المتزامنة مع توفر مشروع بناء دولة العلم والمعرفة المتطورة من خلال تحديث وتطوير البيئة العلمية والمعرفية في جامعاتها ومعاهدها العليا.

وبهذا الخصوص يمكن لنا أخذ العبرة من التجربة التي عاش نشأتها وتطورها ونجاحاتها العالم والمفكر الأمريكي الشهير توماس كوهن وتحدث عنها باستفاضة في كتابه “بنية الثورات العلمية” الذي يصنف ضمن الكتب المائة الأكثر تأثيرا في العالم منذ الحرب العالمية الثانية. في هذا الكتاب، الذي هو تقرير عن تجربته، يروي لنا كوهن أنه في كل جامعة أمريكية يوجد متحد علمي، أو ثقافي فكري، أو فني، أو تكنولوجي الخ، يضم نخبا منتقاة في هذا التخصص أو ذاك التخصص وتحدد مهمة هذا المتحد في بناء البيئة المعرفية، وابتكار أساليب التفكير، وإنشاء النظريات وتجريبها عمليا وتدريب أفواج الطلاب على الإبداع المعرفي والعلمي في كل الميادين.

صحيح أيضا أنه توجد في جامعاتنا مخابر ولكن هذه المخابر لا تنتج المعرفة المبتكرة ولا تساهم حتى في تلخيص واستيعاب ما توصل إليه العقل البشري من فتوحات معرفية.

لقد حان الأوان أن نتساءل: لماذا لا تقوم الجزائر باستقطاب كبار الأكاديميين والعلماء والمفكرين في مختلف التخصصات من الخارج كما تفعل دولٌ كثيرة للاستفادة من معارفهم وخبراتهم وتطعيم تعليمنا العالي وإطاراته بها؟ الجزائر لا تنقصها الأموال وهي قادرة على صنع العجائب لو توفرت الإرادة المتزامنة مع توفر مشروع بناء دولة العلم والمعرفة المتطورة من خلال تحديث وتطوير البيئة العلمية والمعرفية في جامعاتها ومعاهدها العليا. ألا نعيش في عالم يتميز بحروب سرية هدفها الاستيلاء على الأدمغة؟ 

مقالات ذات صلة