الرأي

تعلّم فضحَ الانتحال في 15 دقيقة من دون معلم!

أبو أحمد
  • 1087
  • 1

لم أعتقد يوما أن يبلغ موضوع الانتحال مدى الأهمية التي توجب الكتابة عنه في جريدة عالية المقروئية، ولكن ما طالعتنا به جريدة “الشروق” الأسبوع الماضي حول إمكانية وجود انتحال في قضية السيد م. أ. ف، والذي -إذا ثبُت- فإنه يعني أن ضحايا هذه الواقعة هم يمثلون كل الطيف المجتمعي من جمعيات هواة إلى أساتذة جامعيين متخصصين. لهذا فإن هذه الحالة استوجبت هذا المقال ذا العنوان الطريف والمحتوى الجاد.
الانتحالُ هو مفهومٌ واسع ومتشعِّب يشمل عديد المجالات، ولكن الجانب الذي يهمنا هنا هو الشق العلمي والمهني الذي يتمثل في ادِّعاء أحدهم شيئا لم يحدث كحصوله على شهادات علمية من جامعة مرموقة، أوانتماؤه إلى مؤسسات علمية محترمة، أونشره لمقالات علمية ذات جودة عالية، أو مشاركته في مؤتمرات علمية عالمية السمعة، بل إن الانتحال قد يشمل إدِّعاء أحدهم بأن إنتاجه العلمي -الذي هو حقيقي وملموس- هو آخر ما توصل إليه العلم!
التأكُّد من كل هذه الادِّعاءات ليس متاحا لمن لا يملك حدا أدنى كافيا من المعلومات حول العمل الأكاديمي، لهذا فإن معرفة النقاط التالية قد يكون مفيدا جدا لكشف أي انتحال محتمل:
– التأكد من ادِّعاء أحدهم حصوله على شهادة دكتوراه من جامعة عريقة هو أمرٌ سهل، إذ يكفي الاطلاع على موقع الجامعة (تحديدا القسم أو الكلية) للبحث عن اسمه في قائمة الخريجين إن وُجدت، أو البحث عن أطروحته في موقع مكتبة الجامعة، إذ أن أغلب المكتبات الجامعية توفر الأطاريح التي تم إنجازُها بالجامعة. وفي حال لم توجد، كون الأطروحة قديمة يجب التأكدُ من وجود مقال علمي على الأقل لصاحب الادِّعاء لديه انتماء (affiliation) لهذه الجامعة.
– أما فيما يخص التأكد من انتماء أحدهم إلى مؤسسة علمية معيَّنة، فإن الأمر قد يكون ملتبسا في بعض الحالات. إن لم يوجد اسم المعني في موقع المؤسسة العلمية فالأمر واضح، أما إن وُجد اسمه فهنا يكمن الإشكال أن المدّعي ينتمي فعلا إلى المؤسسة ولكن ليس بالصفة التي يدَّعيها، كأن يزعم أنه أستاذ أو محاضِر وهو غير ذلك.عندما يدّعي أحدُهم أنه محاضر أو أستاذ في جامعة معينة أو باحث رئيسي في مؤسسة بحث، فهذا يعني أن لديه رتبة عليا تقترن في أغلب الأحيان بمنصب دائم. للتأكد من مثل هذا الادّعاء يكفي الاطلاع على موقع المؤسسة، إذ أن كل الجامعات أو مراكز البحث المحترمة تضع معلومات تعريفية مستفيضة عن كل موظفيها الدائمين وغير الدائمين.
يجب التنبيه هنا إلى أنه توجد أشكال أخرى للانتماء مؤقتة مثل أن يكون المعنيُّ طالب دكتوراه، باحثا مشاركا (postdoc أوassociate researcher)، أستاذا زائرا، باحثا زائرا، باحثا مدعوًّا… الخ، كل أشكال الانتماء هذه لا تسمح لصاحبها بالادِّعاء بأنه أستاذ أو باحث دائم في تلك الجامعة. بالإضافة إلى أنه يجب على المنتمين إلى المؤسسة وضع عنوان المؤسسة في منشوراتهم العلمية ما داموا يحصلون على تمويل أو راتب منها. أي أن وجود عنوان المؤسسة في المقالات العلمية للمعنيِّ هو دليلٌ على انتمائه إليها ولكنها ليس دليلا على شكل هذا الانتماء.
– فيما يخص القيمة العلمية لإنتاج أي باحث، فإنه يتم تقييمُها بناء على المقالات العلمية المنشورة في الدوريات المحكّمة المتخصّصة، والمشاركات في المؤتمرات العلمية المتخصصة، ونشر الكتب التعليمية والكتب العلمية المتخصصة، وبراءات الاختراع (التي لا تمثل بالضرورة انجازا علميا، بل هي مجرد تثبيت ملكية للفكرة قانونيا).
والمجلات العلمية المقصودة هنا هي التي لديها هيئة تحرير تضم متخصصين لا يُشقُّ لهم غبار في ذلك التخصص، ويتم قبول النشر فيها بناءً على مراجعات الأقران. والمقصود بالأقران هنا هم باحثون متخصصون في ذات التخصص لديهم تجربة وسمعة محترمة، تقوم هيئة التحرير بطلب آرائهم ونقدهم حول المقال المرسَل للنشر، كل هذا يتم بسرية ومن دون معرفة صاحب المقال المرسَل للنشر. هذا البروتوكول الصارم هو الكفيل حصريا بإنتاج علم ومعرفة خاليين من كل شائبة. تزداد رزانة وسمعة المجلة العلمية مع ازدياد السمعة والانجازات العلمية لأفراد هيئة التحرير وللأقران، بالإضافة إلى التزامها بالبروتوكول المشار إليه سابقا. عندما يدّعي أحدُهم أن لديه إنجازاتٍ علميةً خارقةً، لا يتطلب الأمر أكثر من الاطلاع على نتائج بحث محرِّكات البحث الأكاديمية للتأكد من ذلك. أشهر هذه المحركات هو google scholar سهل الاستعمال، ولكن هنا ينبغي على المتحري أن يتأكد من أن نتائج البحث هذه تعود فعلا إلى المدَّعي؛ فمثلا عندما يكون لعدة أشخاص اسمُ عائلةٍ متشابه وكل أسمائهم تبدأ بالحرف نفسه، ستكون نتيجة البحث هي مجموع مقالات كل هؤلاء الأشخاص معا، فإذا كان أحدُهم ذا إنتاج علمي غزير، سيبدو أن كل هؤلاء هم علماء ممتازون. لهذا يجب على المتحري أن يتأكد من الاسم الكامل في كل المقالات نتيجة البحث. رغم أن عدد المقالات يعبِّر عن غزارة الإنتاج العلمي (أو بالأحرى غزارة النشر)، ولكن ذلك لا يعبِّر إطلاقا عن الجودة والقيمة العلمية لهذه المقالات، إذ أن هذه الجودة يعبِّر عنها عاملان متكاملان هما سمعة المجلة العلمية وعدد المرات التي جرى فيها الاستشهادُ بهذه المقالات في أبحاث علمية أخرى. أما فيما يخص سمعة أي مجلة علمية، فيكاد يُجمع أغلب الباحثين على ربطها بما يسمى معامل الأثر (Impact Factor) وغيره من معاملات التصنيف. وبناءً على هذين العاملين، تم وضع ما يُسمَّى معامل هيرتش “h-index” الذي يصنِّف كلَّ باحثٍ حسب سمعته العلمية بشكل فعَّال. يقوم محرِّك google scholar بإعطاء قيمة معامل هيرتش لأيِّ باحثٍ سجَّل نفسه في قاعدة بيانات هذا المحرِّك.
– أما المؤتمرات العلمية فإنَّ الرؤية فيها ضحلة تماما بعكس المقالات العلمية، إذ أصبحت مؤخرا أقرب إلى سوق رائجة لتوزيع شهادات المشاركة وتلتهم أموالا كبيرة ويصعب فيها تمييزُ الغث من السمين. ولكن يمكن إعطاء بعض الإشارات التي تدل على القيمة العلمية الرديئة لنشاط علمي ما (سواء كان مؤتمرا، ورشة أو غيرها من الأسماء)، كأن يكون النشاط غير متخصص كأن يشمل الكيمياء، الفيزياء، الهندسة، التمريض… أو أن يكون المؤتمر متخصصا (حسب إعلان المؤتمر) ويتم تنظيمه في فندق فاخر في وجهةٍ سياحية مغرية (تركيا، تونس، المغرب…)، ولكن بكل أسف الجهة المنظمة ليست هيئة أكاديمية هدفها الربح المادي الذي يدفعه المشاركون كنفقات في الفندق وكحقوق تسجيل مقابل شهادة مشاركة ونشر كل المشاركات من دون أي مراجعة للأقران. طوال السنوات الماضية، وقع المئات (وربما الآلاف) من الأساتذة الجزائريين ضحية لهذا النوع من الاحتيال قبل أن تتدخل الوزارة لوقف هذا الأمر.
للأسف، الادِّعاءُ كذبا بأيٍّ مما ذُكر سابقا هي سلوكاتٌ قديمة جديدة موجودة في كل المجتمعات من دون استثناء، يسهل بها خداعُ كل من لم يطّلع على هذه الأبجديات، ولكن عندما يقوم المنتحِل بفعلته، كأن يقنع طلبته بأنه أحسن باحث في تخصصه على المستوى العالمي، أو يقنع جاره البقال بأن حصوله على جائزة نوبل نظير إنجازاته العلمية هي مسألة وقت فقط، أو..الخ، فإنه يغيب عن ذهنه أن حبل الكذب قصير، وأن أي كذبة مهما كانت حبكتُها محكمة سيتم كشفُها عاجلا أو آجلا. يبقى الحل الوحيد الممكن هو تطعيم المجتمع ضدّ هذه الممارسات عبر نشر المعلومة العلمية الدقيقة وإشاعة الشفافية، التي هي دواء لكل أشكال الرداءة والتردِّي.

مقالات ذات صلة