الرأي

تفاحة “حواء”!

في إجراء “منفرد” و”استثنائي”، قرّرت وزارة التجارة، بمباركة من الفلاحين ومن عامة المواطنين، توقيف استيراد التفاح الفرنسي، الذي كلّف الخزينة الجزائرية قرابة خمسمائة مليار سنتيم في السنة الواحدة، وقرّر الجانب الفرنسي الاتصال بأعلى السلطات الجزائرية وليس الفرنسي، لأجل إنقاذ المنتجين الفرنسيين وحتى المستوردين الفرنسيين، الذين كانوا يقتنون “التفاح” من الكيان الصهيوني، ويحوّلونه إلى موائد الجزائريين، خاصة خلال شهر رمضان. وإذا كان الفرنسيون قد تحرّكوا بقوة لأجل إنقاذ تفاحهم، من التلف، وفلاحيهم من الإفلاس والبطالة، وهذا تحت سوط “التقشف” المفروض على الجزائر، أي مجبر أخوك وليس بطلا، فإن السؤال المطروح: أين كانت السلطات الجزائرية لمدة أكثر من نصف قرن، عندما كان التفاح الجزائري يُقتل بسمّ اللامبالاة والولاء لفرنسا.

ما قامت به وزارة التجارة في قضية التفاح الجزائري الذي تحوّل إلى أفراح في منطقة الأوراس، هو ثورة أخرى، على أمل ألا تحيد عن مسارها كما حادت بقية الثورات، وأن تولِّد ثورات أخرى، فقد بدأت الثورات الاقتصادية الكبرى في اليابان والصين وألمانيا والبرازيل وتركيا وإندونيسيا وإيران، وحتى في فرنسا، من خلال الاعتزاز بالمنتج المحلي، والاتحاد لسدّ الطريق في وجه المستورد الذي يحاول دفن ما هو موجود في البلاد. وفرنسا تعلم أكثر من غيرها، بأن تفاح الأوراس، من ألذ أنواع التفاح في العالم، ولكنها أرادت له مصير الانقراض كما فعلت مع كرز مليانة وصبّار سوق اهراس وفرولة سكيكدة وقمح قالمة وبرتقال بوفاريك وورود البليدة، التي كانت تسوّقها السلطة الاستعمارية إلى أوربا، وحتى إلى فرنسا على أنها الأحسن في العالم، وعندما غادرت الجزائر، مارست معها سياسة الأرض المحروقة، بما اختزنت من ثمار طيبة، لذّة لآكليها.

كل الثورات التنموية التي هزّت العالم، بدأت بتحدٍّ كبير، ولكن نجاحها، اتحدّ فيه الشعب والسلطة، فانتقل إلى تحديات أخرى، وكل الأزمات الكبرى، بدأت بخسارة معركة، ظن الجميع أنها هامشية، فعمّت حممها على بقية المجالات، فبدأت ثورة الصين بالاكتفاء الذاتي في الأرز، وتوقيف استيراد غذاء الصينيين من الخارج، والتحوّل بعد ذلك إلى التصدير، وبدأت أزمة الجزائر بخسارة سوق “دقلة نور”، فخسرت حربي الفلاحة والتجارة نهائيا.

خروج الجزائر من جنّة الاستقلال الغذائي، بدأ عندما ظهر التفاح الفرنسي، الفاقع لونه، فالتهمه الناس، وتركوا التفاح المحلي، يموت ببطء، فوجد الجزائريون أنفسهم، وبلادهم عاشر بلاد العالم شساعة، يستوردون كل ما يأكلون ويشربون ويلبسون ويركبون من فرنسا، وإذا كان التفاح هو ما أخرج آدم من الجنة، فإن التفاحة هي ما مكّن أيضا، العالم نيوتن، من اكتشاف قانون الجاذبية، الذي بُني عليه علم الفيزياء، وقد تكون ثورة التفاح الأخيرة، السبب الذي يعيد الجزائر إلى الجنة، ويجذب الجزائريين نحو الأرض، التي أحبته ومنحته من بقلها وفومها وعدسها وبصلها… وتفاحها.

مقالات ذات صلة