تفاصيل أطول قضية في تاريخ القضاء الجزائري
هل تعرفون ما هي أطول قضية عرفتها العدالة الجزائرية، إنها ليست الخليفة ولا البنك الوطني ولا قضية عبد الرحمان، إنها وببساطة ملف تداوله القضاء بكل مستوياته مدة ثلاثين عاما، لمجاهد يبلغ حاليا من العمر 80 عاما، ومعطوب حرب، قاد كما يقول “جهادا أكبرا” ضد الإدارة التي تحرمه من أبسط حق حصل عليه منذ الاستقلال، وهو عقد ملكية لشبر من تراب دفع ثمنه كاملا في إطار عملية التنازل عن أملاك الدولة بداية الثمانينات، لكن المجاهد الشيخ لم يحصل على عقد الملكية لحد الآن من مديرية أملاك الدولة، على الرغم من أن أعلى هيئة قضائية متمثلة في مجلس الدولة أصدر قرارا واضحا لصالحه، ولم يجد في المقابل السلطة لتنفيذه أمام دوائر لا تنفذ القضاء ولا بأحكامه على حد قوله.
عندما زرناه في بيته المتواضع بدائرة عزابة ولاية سكيكدة المهدد بالانهيار، كنا نتوّقع أن المجاهد أحمد لعور صاحب القضية التاريخية في القضاء يصارع من أجل هكتارات من الأراضي الزراعية أو العقارية التي باتت كنزا وثروة اليوم، فتفاجأنا أن الشيخ الذي خارت قواه، وأنهكته إعاقته البليغة إبان حرب التحرير يقاضي “دولة” كاملة من أجل مكان إقامته المكون من غرفتين قديمتين على مساحة جد بسيطة لا تتعدى 169 متر فقط، حصل عليها في إطار التنازل عن أملاك الدولة سنة 1982 مقابل حوالي 5 ملايين سنتيم، وحصل جاره على مساحة أكبر تفوق 600 متر، وهي قسمة تبدو غير عادلة لمساحة من الأراضي آنذاك، غير أن المجاهد لعور رضى بالقسمة ولم يلجأ إلى الطعن أمام اللجنة الولائية.
غير أن مديرية أملاك الدولة لولاية سكيكدة حررت عقدا إداريا لفائدة الجار وبمساحة إضافية تقدر بـ25 مترا، اقتطعت من مساحة المجاهد الذي تم تجميد عقد ملكيته إلى يومنا هذا دون أي سبب.
قال لنا المجاهد أنه لم يجد سوى العدالة لإنصافه، فأصدرت حكما لصالحه سنة 1983 لحيازته قطعة الأرض قبل صدور عقد الجار الذي يشوبه التزوير حسب ما تدل عليه الوثائق، وكذلك حكم المحكمة الذي يقضي بفسخ العقد المبني على الغش، لكن العقد المبني على باطل تم إشهاره لدى مصالح الحفظ العقاري رغم قرار المحكمة بإلغائه، في نفس الوقت تم سحب عقد ملكية المجاهد لعور أحمد من داخل مديرية أملاك الدولة، ليتمكن جاره من شهر عقد هبة يمنح فيه العقار إلى ابنه، لكن يفترض في القانون أن عقد الهبة باطل لأنه مبني على باطل حسب العدالة.
هذا ما تمكنا من فهمه من رزمة الأوراق والأحكام والمراسلات التي يحتفظ بها المجاهد طيلة 30 عاملا، ورغم مرضه وتقدمه في السن يصر على البلوغ بقضيته إلى أعلى مستوى، غير أن العدالة ليست أعلى مستوى في الجزائر على حد قوله، ما دامت قراراتها وأحكامها لا تنفذ، فقد لجأ سنة 2008 بعريضة إلى مجلس الدولة كأعلى سلطة قضائية ضد مديرية أملاك الدولة، ووالي سكيكدة، وكانت قضية كبيرة بالنسبة للمجلس، فأرسل مستشارة دولة إلى دائرة عزابه لمعاينة العقار ووضعه، ثم أرسل أحد أعضائه، وأصدر المجلس بناء على تقرير مفصل لمستشاريه قرارا يوم 12 نوفمبر 2009 يحمل صيغة تنفيذية تأمر الوالي والوزير والمير، وكل من له المسؤولية في تنفيذ القرار الصادر لصالح المجاهد أحمد لعور بتمكينه من عقد الملكية، والحصول على عقاره كاملا، وتصحيح المساحة المباعة للجار، علما أن مجلس الدولة اعتبر كل من وزير المالية باعتبار وزارته الوصية على أملاك الدولة، ووالي سكيكدة جزءا من القضية، وبعد صدور قرار مجلس الدولة لم تستطع أية سلطة تنفيذه، بما فيها الوالي ومدير أملاك الدولة الذي اكتفى بالإجابة في مراسلة رسمية أنه أعطى تعليمات إلى مدير أملاك الدولة بولاية سكيكدة لاتخاذ ما يلزم من إجراءات طبقا للتنظيم والتشريع، “لقد لاقيت الإهانة وأنا في الثمانين من العمر، كنت أتنقل وأنا معطوب حرب إلى مديرية أملاك الدولة بالولاية، وأبقى أنتظر لمدة خمس ساعات في اليوم، لقد جاهدت إبان الثورة ضد الاستعمار، وكان جهادا أصغرا، أما الإدارة الجزائرية فالجهاد معها مازال وكان جهادا أكبرا” يقول المجاهد “لقد كلفتني قضيتي 30 عاما من المعاناة، تعرضت خلالها إلى أضرار معنوية ومادية، وسجنت عندما منعت أحد مغتصبي أرضي من البناء فوقها، فأين العدالة؟”، يضيف الشيخ الذي يرغب في الحصول على أبسط حق من حقوقه قبل وفاته.