الرأي

تقطير جبل الجليد

عمار يزلي
  • 737
  • 0

جرائم فرنسا بالجملة، لا يمكن أن تُصلح بالتقسيط. هذه أهم خلاصة يمكن أن نصل إليها منذ البداية، بالنظر إلى سياسة فرنسا وموقفها مما يسمى بـ”الذاكرة” في تاريخها الاستعماري مع الجزائر، ومع باقي المستعمرات.

الزيارة التي قام بها وزير الخارجية الفرنسي للجزائر لـ”إذابة الجليد” حسب تعبيره، في العلاقات المتجمدة بين البلدين منذ الأزمة الأخيرة التي نشبت على خلفية إدّعاءات فرنسية بشأن 8 آلاف جزائري مطالَبين بالترحيل، تنكر الجزائر هذا الرقم جملة وتفصيلا، كما جاء على لسان رئيس الجمهورية، والذي كان قويّا في التعبير عن استيائه من هذا التصريح والاستفزاز الذي لا يجد معنى آخر غير المعنى الذي عبَّر عنه الرئيس الفرنسي فيما بعد في نقاش ضم نحو 20 من بني وأحفاد الحرْكى، سربته الصحافة الفرنسية، والذي غذى فيه عنصرية اليمين تجاه الجزائر دولة وأمة وشعبا وتاريخا، وتجسّد في تقليص منح الفيزا للجزائريين بنسبة لا تقل عن 50%.

منذ ذلك الحين وفرنسا تبحث عن طريق آخر لتقارب جديد وإصلاح العطب كما تراه في العلاقات الفرنسية الجزائرية: أعطاب كثيرا ما تكررت، خاصة في السنوات الأخيرة، والتي هي السنوات الأولى من عمر الجزائر الجديدة، التي لم تعد تتعامل مع فرنسا بمنطق الإذعان كما كانت تفعل الحكومات السابقة. كان ذلك واضحا من خلال موقف الجزائر من فرنسا ومن الذاكرة التي يجب أن تُرمَّم، لكن بشروط معينة، أدناها الاعتراف بجرائمها وإعادة رفات شهداء المقاومة ورموز تاريخية والإفراج عن الأرشيف. غير أن فرنسا المعروفة بالتسويف وربح الوقت واللعب على حبال الانتخابات المتمايلة يمينا وشمالا، دفعت بالرئيس ماكرون إلى الارتماء من وسط اليمن إلى أحضان أقصى يمين اليمين من مسألة التاريخ والذاكرة، ثم الهجرة والاسلاموفوبيا، طمعا في امتصاص جزء من كتلته الانتخابية في الانتخابات الرئاسية المقبلة. عذرٌ أقبح من ذنب، كونه يعلم أن الجزائر حكومة وشعبا لن تقبل بمزايدة ولا مناقصة انتخابية ضدها على حساب تزوير التاريخ والمسّ بسيادة وتاريخ الأمة، وقد يفضي ذلك إلى حدّ القطيعة وتوقّف أيّ حوار حتى ولو كان من فئة حوار الطرشان.

تجذُّر الموقف الجزائري، دفع بالرئيس ماكرون إلى الدفع بوزير خارجيته إلى أبواب الرئاسة في الجزائر، محاولة منه إصلاح العطب في “عجلة ممسوحة”ـ آن الأوان لاستبدالها لا خياطة الثقب ونزع المسمار. قبل ذلك بيومين، قام كبادرة “حسن سوء نية”، بالإعلان عن الإفراج عن محاضر الشرطة والدرك الفرنسي إبان ثورة التحرير كجزء من الأرشيف وليس كله. هذا التفصيل وهذا الدفع بالتقسيط المملّ، جاء قبيل مناسبة أحداث 11 ديسمبر 1960، وأيضا ذكرى مجزرة 17 ديسمبر 1961 بباريس.

استُقبل وزير الخارجية الفرنسية من طرف رئيس الجمهورية ومن طرف وزير الخارجية الجزائري، ولم يخرج إلى العلن أيُّ موقف رسمي أو بيان توضيحي بشأن هذه الزيارة إلا ما ما سمعناه من تصريح شفهي على لسان وزير الخارجية الفرنسية بشأن “إذابة الجليد”. رفعٌ جزئي وقبل موعده بـ15 سنة، رأت فيه فرنسا هدية وصكّ حسن نية، لإعادة إذابة جبل جليد قطبي، لن يذوب بسهولة حتى مع الاحتباس الحراري المناخي؛ فما على فرنسا من ركام جليدي، لن يذيبه التسخينُ بالتقسيط، ولا الاعترافُ الجزئي بالتقطير بجرائم التعذيب التي بدأت بالاعتراف الفرنسي بما فعلته مع مواطنها موريس أودان ومع الشهيد علي منجلي، والتي قد تفتح المجال مستقبلا وفي ظروف لا نعرف مداها ولا امتدادها لحالات مماثلة عندما تفتح محاضر البوليس الفرنسي.. إن فُتحت.

مقالات ذات صلة