تقليد باسم الموضة يقضي على عادات الأعراس في منطقة القبائل
كانت مراسم أعراس الزواج في منطقة القبائل إلى وقت قريب تقليدية بحتة مستمدة من محيط لم تتغلغل إليه موضات لاشرقية ولا غربية غير أنها صارت مؤ خرا ضحية تسللات نصبت نفسها بين السكان دون سابق إنذار، ومن خلال هذه النظرة نحاول استذكار ما كان عليه المجتمع القبائلي من خلال العادات والأعراف الممارسة خلال مثل هذه المناسبات.
قبل العرس يتم تنظيف محيط الحارة وطلاء جدران المنزل بمادة بيضاء تسمى “ثومليلت” بعدها تنطلق عائلة العريس في الإعداد للعرس الذي يحتفل به عادة في فصل الصيف ونفس الشيء تقوم به عائلة العروسة.
التحضيرات للعرس تكون بعد الخطبة والاتفاق على المهر أو ما يسمى محليا “ثعمامث” بحضور أهل وجيران العروسين وإمام القرية الذي يقرأ الفاتحة إيذانا بشرعية العلاقة بين المعنيين ليتم بعدها تحديد تاريخ العرس وتقديم الدعوات، بالموازاة يتم فتل الكسكسي أسبوعين أو ثلاثة قبل العرس قي منزلي العروسين بمشاركة نسوة القرية في جو بهيج تتخلله أغاني الأعراس تحت قيادة كبيرات السن. وقبل يوم العرس يقوم أبو العريس بذبح خروفين أو ثلاثة حسب الاستطاعة أو عجل ليقدم جزء منه لعائلة العروسة لتحضير الطعام.
وفي يوم العرس عند الفجر تشرع نساء القرية اللواتي يكن قد قضين الليلة في بيت العرس في إعداد الطعام المتمثل في الكسكسي واللحم ليشرع الرجال في إطعام المدعوين إلى غاية موعد الحنة، حيث يجتمع أصدقاء وأهل العريس حول هذا الأخير الذي يظهر وسطهم ببرنوس أعدته له والدته خصيصا للمناسبة تحت أنظار إخوته وأخواته اللواتي يملأن باحة المنزل بالزغاريد المرفوقة بأنغام فرقة “إضبالن” التي تعطي طابعا خاصا للعرس بموسيقى عذبة مستهوية الكبار والصغار للرقص فرادى وجماعات.
أما في الجهة المقابلة تقوم العروسة بالاغتسال في أعلى البيت بالمكان المسمى “ثكانا” أو “ثعريشث” بعد تتجمل على ضوء سراج من الطين كرمز للخصوبة ثم تضع الحنة بعد خلطه في صحن طيني “الجفنة” حيث توضع المياه الباردة والبيض ونبات القراص الذي يرمز لليقظة لتكون في حياتها الزوجية أكثر يقظة من شريك حياتها، وحين فراغها من ذلك تقوم بسلق البيض الموضوع في الصحن لتقدمه لزوجها ليلة الدخلة، كما تخبئ جزءا من الماء المتبقى لتضيفه إلى مرق الطعام الذي ستحضره في الليلة الثانية من الزواج.
للإشارة أن وضع الحنة تكون بحضور نساء القرية اللواتي يجتمعن في شكل دائرة لتأدية أغان وأشعار يمتدحن بها عائلتي الزوجين تليها أغاني الرقص التي تزرع البهجة في نفوس الحاضرات، وفي نفس الوقت يبسط منديل كبير لتتلقى العروسة ما يسمى “ثاوسة” وهي عبارة عن مبالغ مالية كمساعدة لها.
وعندما يفرغن من ذلك تقوم قريبات العروسة بتوزيع الحلويات التقليدية كـ”لخفاف”، “لمسمن” وغيرهما ليستمررن بعد ذلك في الغناء إلى ما بعد منتصف الليل.
وفي اليوم الثاني يكون رب الأسرة الموكب الذي ينتقل لإحضار العروسة من بيت أهلها والذي يتكون عادة من كبار المدعوين، فإذا كان المكان قريبا تنقل على ظهر بغل أو حصان بمساعدة احدى قريبات زوجها التي تتولى إخراجها مغطاة الوجه من بيت أهلها بعد أن تشرب جرعة ماء من يد أبيها.
وحين وصولها أمام عتبة بيتها الجديد تتوقف وقبل أن تلج توزع على الحاضرين التين المجفف والسكر من غربال تقدمها لها حماتها كما تقوم برش المحيطين بها بالماء أعد خصيصا لهذا الغرض، ثم تدخل بالرجل اليسرى وتكسر حبة بيض على جدار غرفتها، لتتواصل بعد ذلك الأغاني و الزغاريد إلى ما قبل المغرب.
في صبيحة اليوم الثالث يتم تحضير وجبة خاصة وتتلقى العروس زيارة عائلتها التي تأتي لتبارك لها زواجها لتعود في المساء حاملة معها أطعمة ممثلة في اللحم والكسكسي والحلويات التقليدية إلى جانب قطع أقمشة كهدايا، ليأتي دور نساء القرية اللواتي يحضرن في اليوم الثالث لتقديم “ثزري ” للعروسة وتحزيمها بحزام صوفي قصد التوجه نحو عين القرية وتملأ جرة وتشرب من مائها جميع الأطفال الحاضرين. في اليوم السابع تنتقل العروسة رفقة زوجها وعائلته لزيارة أسرتها لتبدأ بذلك حياتها الجديدة.
أما اليوم فالمنزل العائلي استبدل بقاعة الحفلات وفرق إضبالن بالديسك جوكي، حيث امتدت ظاهرة إقامة حفلات الزفاف في قاعات الحفلات بعدما كانت تقام في السكن العائلي، إلى سكان القرى والمداشر الذين يلجأون لكرائها، حتى وإن كانت بعيدة عنهم، وحجتهم في ذلك المحافظة على نظافة البيت، وكذا التقليل من المصاريف مقارنة مع الأعراس التي يقيمونها في السكنات العائلية.
تبدّلت العديد من تقاليد الأعراس بمنطقة القبائل، فبعدما كان العرس يدوم يومين كاملين، أضحى يقتصر حاليا في العديد من المناطق على بضع ساعات، كما صار صاحب العرس يكلف نفسه عناء استئجار سيارة مزينة بأغلى الزهور والورود مع اقتناء أغلى أنواع الحلويات لتوزيعها على الضيوف.
التغيير الذي طال الأعراس القبائلية وإن كانت له آثار سلبية في بعض جوانبه له آثـار إيجابية أيضا على العرسان الشباب، إذا تخلت الكثـير من العائلات عن عادة إرهاق العريس بقائمة من لوازم العروس، أبرزها الذهب ومختلف الألبسة، إلى درجة أن الزواج بمنطقة تيزي وزو يتم بمهر رمزي، إذ وصل الحد إلى أن المهر لا يتجاوز 3000 دينار، وذلك بعد أن وضعت لجان القرى في أغلب مناطق الولاية قانونا يحدّد مصاريف العرس ومستلزمات العروس.
ولم يقتصر التغير على مراسم العرس والمصاريف التي تترتب عنه، بل أصبح ”الديسك جوكي” يعوض فرق الطبل التي كانت أعراس ولاية تيزي وزو إلى وقت قريب تتميز بها، وأضحى هذا النوع التقليدي من الغناء في السنوات الأخيرة قاب قوسين أو أدنى من الزوال.
وقد انتقد العديد من المواطنين ظاهرة الديسك جوكي في الأعراس كونه ظاهرة دخيلة على المنطقة، علاوة على الإزعاج الذي يسبّبه إلى ساعات الصباح، حيث يضطر جيران أهل العرس وسكان القرى والأحياء المجاورة إلى السهر مكرهين على أنغام الأغاني التي تبث عبر مكبّرات الصوت، إضافة إلى نوعية الأغاني التي يعتبرها المنتقدون منافية لعادات منطقة القبائل المحافظة.
وقد أرجع العديد من الملاحظين الأمر إلى الموضة وسيطرة أغنية الراي على المجتمع الجزائري، كما لم يتردّد آخرون في إرجاع سبب تراجع جلب ”إضبالان” إلى ارتفاع تكاليف هذه الفرق، والتي لا تقل حاليا عن مليوني ثلاثة ملايين سنتيم لإحياء ليلة واحدة، مقابل ما لا يتجاوز 6 آلاف دينار للديسك جوكي.