الرأي

تكريمُ مجاهدٍ عالم

رُوي عن رسول الله -صلى اللهُ عليه وسلّم- قوله: “خيركُم من طال عمرُه وحسُن عملُه”. وقد رأى الناسُ صدقَ هذا القول في كثير من الناس في الجزائر وفي غيرها من أقطار العالم الإسلامي.

إنّ من آخر من انطبق عليهم هذا القولُ الرَّضيُّ هو أستاذي، وأستاذ آلافٍ تشرّفوا بالتَتلمُذِ عليه مباشرةً، أو عن طريق كتُبه ومحاضراته ومقالاته وأحاديثه الإذاعية والتلفزيونية؛ الأستاذ الكبير محمد الصالح الصدّيق، الذي أبصرت عيناه النور في مثل هذه الأيام من هذا الشهر عام 1925، وبذلك فهو ممن تجاوز القرن ببضعة أيام، فاللهم أحيِه أعواما أخَر ما دامت الحياةُ خيرًا له.

علاقتي بهذا الأستاذ الصّالح الذي ينطبق معناه على مبناه تمتدّ إلى أكثر من نصف قرن، وبالضبط إلى عام 1964، إذ خطّت الأقدارُ في صحيفتي أن أتشرّف بالتتلمذِ عليه في ثانوية “رمضان عبان” بالمحمدية في مدينة الجزائر قاهرة الصليبيين.. ورغم أنني لم أدرس عنه إلا عاما واحدا، إلا أن ذلك العام كان عاما مباركا.

لقد أحسنت وزارةُ الثقافة بتنظيمها في يوم الخميس 25/ 02/ 2025 حفلا متميزا على شرف الأستاذ محمد الصالح بمناسبة بلوغه القرن، وقد أكرمه الله -عزّ وجلّ- إذ حفظ عليه صحّة عقله وإن مسّه الكِبرُ، ووهن عظمُه، واشتعل رأسُه شيبا.

ومن مميزات هذا الأستاذ ذي القرن أنه أحرصُ الناس على ما سمّاه الإمامُ المرتضى عبد الحميد بن باديس “الكنز”. وإذا كان “الكنزُ” عند الناس هو الورَق والورِق، فهو عند هذا الأستاذ هو “الوقت”.. فما رأيتُ أستاذي، حضَرا أو سفرا، ظعْنا أو إقامة، إلا مستغلّا الثواني قبل الدقائق، والدقائقَ قبل الساعات.. وقد “أنجب” هذا الحرصُ أكثر من مائة كتاب، ومئات المحاضرات والمقالات في داخل الجزائر وخارجها.

وما أنسَ من الأشياء لا أنسى اصطفاءَ الأستاذ لي لمشاركته في جمع وتصحيح الأجزاء الثالث والرابع والخامس من آثار المرتضى عبد الحميد بن باديس خلفا للأستاذ علي رحوم الذي انتقل من الفانية إلى الباقية.

لقد امتلأت القاعة الشرفية لوزارة الثقافة بكثيرٍ من المدعوّين لحضور هذا الحفل المتميّز، والممتاز بما وقع فيه من إسداء السيد الرئيس، عبد المجيد تبون، أحد أوسمة الدولة الجزائرية لهذا الأستاذ الذي هو أحد أبناء الجزائر الذي جاهد في سبيلها بالسِّنان وباللسان.

هنيئا لأستاذي بتكريم الله -عزّ وجلّ- له؛ إذ فضّله بالجهاد المسلّح، ورفع مقامه بالعلم، و”رتبةُ العلم أعلى الرتب”، كما قيل. وشكرًا لوزارة الثقافة، وقد وددتُ لو أنّ ثلاث وزارات اشتركت في هذا التكريم، وهي وزاراتُ التعليم، والمجاهدين، والشؤون الدينية، فللأستاذ فضلٌ على هذه الوزارات كلِّها بعلمه الموسوعي، وأعماله الجليلة.

مقالات ذات صلة