تلاميذ النهائي عادوا إلى الدروس الخصوصية في عز أوت
مازالت شهادة البكالوريا تشكّل الهدف الأسمى للكثير من العائلات الجزائرية، وما أحدثته من متابعة قياسية بالمشاعر بالخصوص في نسخة 2025 خلال الشهر الماضي، والذي قبله بين أيام الامتحان وإعلان النتائج، بدأت بوادره تظهر في شهر أوت، بالرغم من أنه معروف بشهر العطل.
العائلات التي سيكون لها أبناء معنيون ببكالوريا 2026، انقسمت ما بين عائلات تستهويها المعدلات القياسية، فقد يكون أبناؤها أو بناتها مثل “رونق زاني”، ابنة ولاية سوق أهراس التي أسعدت عائلتها، وكل ولاية سوق أهراس إلى درجة الاحتفال الشعبي بتفوقها وإحرازها على معدل عام، لم يسبق وأن تحقق في تاريخ بكالوريا الجزائر، وبين من تكتفي بالنجاح حتى ولو كان المعدل 10 من عشرين، وهذا حسب مستوى الطالب وحماسه للتحصيل.
إعلانات “الفايس بوك” فتحت الشهية
إعلانات الدروس الخصوصية غزت الصفحات غداة الإعلان عن النتائج في جويلية الماضي، حيث كان بعض الأساتذة ينشرون على صفحاتهم أسماء وصور المتفوقين وحتى معدلاتهم، خاصة في المادة التي يدرّسونها، في إشارة غير مباشرة ولكنها واضحة على كون الأستاذ هو من مكّن الطالب من المعدل المرتفع في المادة خلال الدروس الخصوصية، ثم انتقل الإعلان إلى عروض مباشرة، ومنهم من كتب: “نزرع في شهر أوت ونحرث في شهر جوان ونحصد في شهر جويلية وندخل الجامعة في شهر سبتمبر”. ومنهم كثيرون استعملوا جملة تجارية شهيرة: “المقاعد محدودة والعرض لن يتكرر”. وتهافت العائلات بلغ ذروته في شهر جوان بالنسبة لتسجيل أبنائهم لدى الأساتذة المعروفين، بعضهم أعلن، مع بداية شهر أوت، عن استحالة استقبال مزيد من التلاميذ، والأمر سيان بالنسبة للدروس الانفرادية التي انتشرت بكثرة في الآونة الأخيرة.
تقول السيدة نوارة: “لقد لدغت خلال الموسم الماضي من الجحر مرة، ولا أريد أن أكررها، حيث فشل ابني في النجاح وكان معدله دون الستة من عشرين في القسم الأدبي، كنت أظن أن دروس الدعم في الأشهر الثلاثة الأخيرة، تمكّنه من اللحاق بالركب ولكن الخيبة عمّت البيت، الناس فرحت ونحن عشنا الخيبة”، ثم تواصل السيدة نوارة كلامها: “قمت بتقييم ما حدث في الموسم الماضي وتابعت تنقيطه في المواد الأساسية، ورأيت بأن نقطة الفلسفة التي بلغت خمسة من عشرين كانت سببا مباشرا في معدله المتدني، لأجل ذلك، باشر ابني، منذ 15 أوت، دروسا خفيفة في الفلسفة ستزداد تركيزا في الموسم الدراسي على أمل أن يمنحوه فرصة إعادة السنة بطريقة نظامية”.
ويدافع السيد رياض عثامنة، وهو جراح أسنان عن خيار شهر أوت بالقول: “مكّنت ابني من عطلة محترمة في شهر جويلية، نصف أيامها الأولى كانت داخل الوطن والنصف الآخر خارج الوطن، وحان الجدّ الآن، وستكون البداية تدريجية، تخص المواد الأساسية في تخصص هندسة الطرائق من كيمياء ورياضيات وفيزياء، يتعرف خلالها ابني على المقرر العام، ولكني سأكون صارما معه، بمنعه من مغادرة الثانوية حتى ولو غادر كل الطلبة مقاعد الدراسة”.
أستاذ رفض ذكر اسمه، اعتبر الأمر عاديا، فالأولياء يعرفون على العموم مصلحة أبنائهم، فتلقيهم دروس دعم خفيفة في أوت لا يتعب كاهلهم، ولا تفقدهم التركيز ولا تضع التلميذ تحت الضغط، واعتبر الأمر أشبه بالتسخين الذي يقوم به الرياضي قبل المنافسة البدنية!.
الأولياء بين نارين
كثرة الإعلانات سواء المعلقة في المقاهي وعلى جدران المساحات التجارية والترفيهية والتي تطل على مواقع التواصل الاجتماعي، أربكت الأولياء وأحس بعضهم بأنه متأخر عن الركب. خاصة أن بعض الأساتذة تفننوا في توصيف أنفسهم بالخبرة والكفاءة وبتذكير الأولياء بأن من مروا على دروسهم الخصوصية حققوا النجاح وبعلامات جيّدة، وأسعدوا أولياءهم، كما يقول السيد حسن، الذي صارت الإعلانات الكثيرة تربكه، وجعلت عطلته السنوية مخصصة لبرمجة الدروس الخصوصية وتوفير الميزانية الخاصة لها لأجل ابنته الكبرى، حتى تكون فاتحة خير ونجاح في العائلة، على حد تعبيره.
وإذا كانت البكالوريا والطمع في النجاح أدخلت التلاميذ المدرسة الموازية في عز شهر أوت، فإن اللغات، وخاصة اللغة الإنجليزية، لم تمنح أصلا العطلة للتلاميذ الذين حثهم أولياؤه على دراسة اللغة الحية، حتى يواكبوا مستجدات المدرسة والجامعة الجزائرية.
بقيت الإشارة إلى أن طالبي تعلم اللغة الإنجليزية ليسوا جميعا من المتتلمذين، بل هناك عمال ورجال أعمال ومستفيدين من القرار الأخير لرئيس الجمهورية للسماح بتجار “الكابة” بالعمل ضمن القوانين الجديدة، وهو ما فتح شهية هؤلاء الشباب لفتح حسابات جارية بالعملة الوطنية والعملة الأجنبية وأيضا تعلم اللغة الإنجليزية وحتى الصينية والتركية لأسباب مهنية بحتة.
اتصلنا الثلاثاء بالأستاذ يزيد بوعناني، وهو أستاذ ثانوية ومدير ثانوية سابق، هو حاليا مكلف بالإعلام في المجلس الوطني المستقل لمديري الثانويات، فقال: “ننتظر بفارغ الصبر المشروع المقترح من طرف حوالي 70 نائبا في البرلمان، لأجل تقنين الدروس الخصوصية وإخراجها من حالة “الفوضى” وهو ما طالبنا به في المجلس الوطني المستقل لمديري الثانويات عدة مرات”.
وتأسف لحرمان بعض التلاميذ من عطلتهم الصيفية التي هي حق لهم، وتمنى من جمعيات وفيدراليات أولياء التلاميذ التحرك لمصلحة أبنائهم حتى لا يبقوا رهينة للدروس الخصوصية الفوضوية أو على الأقل إيجاد إطار قانوني منظم لها كما هو معمول به في عدة بلدان.
فظاهرة الدروس، كما قال الأستاذ بوعناني، بالإضافة إلى أنها غير قانونية، فإنها أصبحت تثقل كاهل الأولياء من متوسطي ومحدودي الدخل بمصاريف إضافية أصبحت شبه حتمية، لأن المجتمع كله انجر وأصبح منساقا لها، وكأن المؤسسات التربوية العمومية أصبحت لا تؤدي أي دور.
ومن أطرف ما حدث في شاطئ “العربي بن مهيدي” أو “جاندارك” بولاية سكيكدة، أن أستاذا علّق ورقة على سور فاصل بين الطريق العمومية والشاطئ عرض فيها دروسا في الفلسفة في عز البحر والصيف.