تلاميذ “يرسِّمون ” اللغة الكورية في متوسطات بوهران
في ذروة الانتقادات التي يطرحها مختصون في شؤون التربية والبيداغوجيا حول ضغط المناهج الذي يشتكي منه أيضا أولياء الأمور قبل أبنائهم المتمدرسين، فإن ثمة ظاهرة لم تخطر على بال أحد، باتت تعرف انتشارا غير مسبوق وسط العديد من تلاميذ الطور المتوسط في وهران، الذين يتهافتون أفواجا ومن تلقاء أنفسهم لطرْق بوّابة تعلم اللغة الكورية بعيدا عن أساتذتهم، وهذا عبر مواقع إلكترونية تهتم بكل كبيرة وصغيرة تتعلق بجمهورية كوريا الجنوبية.
لماذا لغة كوريا الجنوبية تحديدا التي يتم التنافس المحموم على تلقيها كتابة ونطقا دون سواها من اللغات من طرف تلاميذ أرهقتهم برامج الإصلاحات التربوية؟.. سؤال طرحته “الشروق اليومي” على عينة عشوائية لتلاميذ يدرسون بمتوسطة 1000 مسكن الواقعة بالمدينة البترولية آرزيو، والتي بلغَنا بالصدفة اهتمام مجموعة كبيرة جدا من المتمدرسين فيها، يمكن تقديرُها بأقسام كاملة وفي مختلف المستويات، من الأولى متوسط إلى السنة الرابعة، بتعلم اللغة الكورية، وفك طلاسم أبجدية العرق المغولي التي يطلق عليها البعض مجازا اسم لغة “الزلابية“، لتعقدها إلى الدرجة التي لا يمكن لمن يجهلها تمييز بداية الحرف من آخره، فكان الدافع لذلك مطابقا للتخمين الذي رجّحناه عند سماعنا بالأمر.. إنها المسلسلات الكورية التي يتمّ بثها في بعض الفضائيات التلفزيونية، وتلقى رواجا وسط شريحة عريضة من مشاهديها من جيل المراهقين الذين تراهم شغوفين إلى حد الهوس بالطباع والحركات المميزة التي يبديها أو يقوم بها أبطالها الفنانون.
الفيلم الذي شدّ عقول فتيات المتوسط
استطلاعنا حول هذا الموضوع كشف لنا من خلال حديثنا إلى بعض المتابعين الصغار لنجوم الفن السابع في كوريا من قبيل (جون يونغ) الذي يمثل دور (شين) في فيلم أوتار القلوب، (لي غي يونغ)، و(جي هو) وغيرهم، أن اقتحامهم البرنامج التعليمي للغة بلد العملاق الاقتصادي سامسونغ، والرائد في مجال التكنولوجيا الحديثة وصناعة أجود السيارات، لا يرجع فحسب إلى حبهم لمشاهير السينما فيها، وإلا لكان ميلُ البعض إلى اللغة التركية، وتلاميذ آخرين إلى لغة بلاد السامبا، البرازيل، بل أنه يبقى بالنسبة لهم إضافة في محلها، وزاد علمي يمكنهم استغلاله واستثماره في المستقبل بالنظر إلى التوجه الاقتصادي الذي يميل نحو البلدان المتطورة التي يبقى الطلب على تخصص الترجمة فيها على قلة المتمكنين منها في المزاد العالي، وكوريا الجنوبية ليست أبدا ـ برأيهم ـ في منأى عن الكبار للتطبيع الاقتصادي معها، وجميع هذه المفاهيم والمعلومات التي تنم عن دراية واسعة وإلمام بعيد المدى بالتغيرات الدولية التي تستدعي المواكبة وعدم التخلف عن الركب من قبل تلاميذ صغار حاورناهم حول الأمر، إنما تعلموها واكتسبوها هي الأخرى من خلال تصفحهم لتلك المواقع الإلكترونية على صفحات اليوتيوب وغوغل، والتي تقدّم للداخلين إليها مختلف التفاصيل المتعلقة بتاريخ كوريا، اقتصادها، عادات وتقاليد شعبها، سياحة الطعام فيها والتي تعني أشهر أكلاتها إلى غير ذلك، وهذا كتمهيد يعطي الحق للراغب في تعلم لغة البلد التعرف أولا على المنطقة جغرافيا، تاريخيا واقتصاديا، بما يساهم أكثر في التشبّث برغبة التحدث بلسان شعبه الذي تظهره المسلسلات أكثر جدية وتنظيما وتربية ولطافة ولباقة أيضا.
اللغة الكورية أسهل من الإنجليزية..
التلميذة (ح. وفاء)، واحدة من أولئك التلاميذ الذين استهوتهم اللغة الكورية إلى حد النخاع، وهي بشهادة زميلاتها الأولى التي زرعت فيهن حبّها، لتنتقل العدوى إلى أخريات كثيرات يدرسن في الصف الأول والثالث بمتوسطة ألف مسكن، حيث تقول إنها تسعى بكل جد ومثابرة لمتابعة دروس اللغة الكورية التي تتلقاها بانتظام من مدرّسة سعودية وأخرى كورية تتحدّث في مقاطع مسجلة بالفيديو بلسان عربي طليق، لتقديم شروح وافية حول معاني الكلمات الكورية، مثلما يتم تعويد المتلقي بالتدريج على اكتساب الأبجدية والتعرف على حروفها بطريقة سلسة، تراها ـ برأيها دائما ـ أسهل من اللغة الإنجليزية المدرجة في المقرر الدراسي. كما تشير زميلتها إلى أن القسم الذي تدرس فيه معظمُ الفتيات يخصصن لأنفسهن دفاتر خاصة لتدوين كل ما يتعلمنه عبر الانترنيت من دروس عن لغة كوريا الجنوبية، ويحملنها في محافظهن للمراجعة وتبادل المعطيات الجديدة فيما بينهن خلال ساعات الفراغ، وتضيف أن بعض الأساتذة كثيرا ما يشجعنهن على ذلك، كما تستطرد أخرى بالقول، إن التحضير للاختبارات لم يثن البعض عن التواصل يوميا مع مدرّسي اللغة الكورية، لأن الأمر قد تحوّل ـ حسبها ـ إلى إدمان يسري مفعوله في مجرى الدم، معتبرة إياه “إدمانا رائعا“، كونه ممارسة نابعة عن حب ورغبة صادقة في تعلم مادة اللغة الكورية وطموح في إتقانها وفي زيارة البلد، بعدما رسمّوها على طريقتهم الخاصة داخل أقسامهن دون أن يكون للوزارة دخل في ذلك.