تمويل حكومي للجمعيات.. وضوابط صارمة للهبات والوصايا
تضمنت مسودة المشروع التمهيدي للقانون العضوي الخاص بشروط وكيفيات إنشاء الجمعيات، مجموعة من التعديلات والإجراءات الجديدة التي تهدف إلى تنظيم أنشطة منظمات المجتمع المدني في البلاد بشكل واضح.
ولأول مرة، تم تحديد آليات دقيقة لاعتماد الجمعيات وشروط تنظيم عمل المنظمات الدولية، مع اتخاذ تدابير وقائية تضمن الشفافية الكاملة في تسيير الجمعيات وفي مصادر تمويلها.
وذكرت الحكومة في عرض أسباب تعديل القانون، الذي اطلعت عليه “الشروق”، أن ترقية النص الخاص بالجمعيات إلى مصاف القوانين العضوية يعكس الأهمية التي تُمنح للحركة الجمعوية ودورها المحوري في تنمية المجتمع، بالإضافة إلى تعبئة المواطنين للمساهمة الفعّالة في الديناميكية التنموية التي تشهدها البلاد.
وأوضحت أن “أحكام المشروع التمهيدي لهذا القانون تأتي ضمن رؤية تهدف إلى تفادي التجارب السيئة التي عرفتها الجزائر، لاسيما تلك التي أدت إلى المأساة الوطنية في أواخر القرن الماضي”.
وأشارت إلى أن التدابير الجديدة تستهدف “إبعاد الجزائر عن الفتن والعنف والتطرف وخطابات الكراهية، ومنع استغلال الجمعيات في جميع أشكال الفساد، وتبييض الأموال، وتمويل الإرهاب”.
كما يهدف المشروع التمهيدي لهذا النص التشريعي إلى التأكيد على حق إنشاء الجمعيات وممارسة نشاطها فور استلامها وصل تسجيل التصريح بإنشائها، واستكمالها لإجراءات إشهار هذا الوصل. إضافة إلى ذلك، يفتح المجال أمام الجمعيات للبحث عن مصادر تمويل ذاتية تُعزز قدرتها على تحقيق أهدافها وتنفيذ مشاريعها.
تغيير تسمية “المنظمات الأجنبية” وتعزيز أدوار الجمعيات المحلية
ونصّت المادة الأولى من المشروع على تغيير تسمية “الجمعيات الأجنبية” إلى “جمعيات الصداقة والتبادل مع الأجانب”، وذلك لكون هذا النوع من الجمعيات يُؤسّس داخل التراب الوطني وفقا للتشريع الجزائري، ويدار كليا أو جزئيا من قبل أشخاص أجانب مقيمين في الجزائر.
كما سمح النص بإمكانية إقامة توأمة بين الجمعيات البلدية أو الولائية، وكذلك بين الولايات، شريطة أن تتبنى أهدافا مماثلة أو تعمل في مجال مشترك، بهدف تفعيل دورها وتوسيع نطاق نشاطها.
وأكد النص على أن إنشاء الجمعيات وممارسة نشاطاتها يجب أن يكون في إطار احترام الثوابت الوطنية والمبادئ والقيم التي ينص عليها الدستور، بالإضافة إلى الالتزام بالمواثيق الدولية وأحكام القوانين والتنظيمات السارية، خصوصا فيما يتعلق بـ”الوحدة الوطنية، والسلامة الترابية، والسيادة الوطنية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدولة، وحقوق الغير، وحرياتهم، وحرمة حياتهم الخاصة”.
قيود على تمويل المشاريع والنشاطات
ويخضع التمويل العمومي للمشاريع الجمعوية لإبرام عقد بين الجمعية والهيئة العمومية المانحة، مع التأكيد على أنه لا يمكن لنفس المشروع أن يستفيد من أكثر من تمويل عمومي. وتُحدّد معايير وكيفيات منح التمويلات العمومية من قبل الدولة والولاية والبلدية عن طريق التنظيم.
ووفقا للنص، يمكن للجمعيات الوطنية المعترف لها بطابع المنفعة العامة من قبل السلطات العمومية أن تحظى بأولوية الاستفادة من التمويلات وإعانات الدولة أو الولاية أو البلدية، بالإضافة إلى أي مساهمات أخرى أو مرافقة لتحقيق أهدافها.
ولا يجوز للجمعيات قبول الهبات أو الوصايا من مصادر وطنية إلا إذا كانت متوافقة مع الأهداف المعلنة في قوانينها الأساسية. وفي حال تجاوزت قيمة الهبة أو الوصية الأجر الوطني الأدنى المضمون بـ25 مرة بالنسبة للجمعيات البلدية، أو 50 مرة بالنسبة للجمعيات الولائية، أو 75 مرة بالنسبة للجمعيات الوطنية والجمعيات ما بين الولايات، يتعين على الجمعية الحصول على إشهاد بمطابقة الهبة أو الوصية صادر عن وزير الداخلية أو الوالي المختص.
كما أقر المشروع إمكانية قبول الجمعيات للهبات والوصايا الواردة من الخارج، واستفادتها من تمويل مشاريع من هيئات أجنبية أو جمعيات أجنبية أو منظمات دولية غير حكومية، بشرط أن يكون ذلك متوافقا مع أهداف الجمعية المعلنة.
حالات تعليق الجمعيات مؤقتا.. وحلّها نهائيا
بحسب النص، يتم تعليق نشاط الجمعية مؤقتا لمدة 30 يوما في الحالات التالية “عدم تجديد هيئتها التنفيذية في الآجال المحدّدة في قانونها الأساسي أو نشوب نزاع بين أعضائها يؤدي إلى تعطيل نشاط الجمعية بشكل كلي أو مخالفة أحكام بعض المواد الواردة في القانون العضوي أو إدخال تعديلات على قانونها الأساسي تتعارض مع أحكام هذا القانون العضوي أو مع التشريعات والتنظيمات المعمول بها”.
أما قرار حل الجمعية، فيتخذ في حال استخدام الجمعية التمويلات والإعانات والمساهمات لأغراض غير تلك التي خُصّصت لها ما لم تحصل على ترخيص من السلطات العمومية المختصة بشأن هذه الأموال أو عدم معالجة التحفظات التي كانت سببا في تعليق نشاط الجمعية مؤقتا وذلك ضمن الآجال المحدّدة.
المنظمات الدولية تحت المجهر
ويمكن للمنظمات الدولية غير الحكومية ممارسة نشاطها داخل التراب الوطني من خلال فتح مكتب واحد فقط من دون أي فروع محلية، وذلك وفق الشروط والكيفيات المحدّدة في هذا الفصل.
ولا يُرخص للمنظمة الدولية غير الحكومية بفتح مكتب في الجزائر إلا إذا كانت الحكومة الجزائرية تربطها بالدولة الأصلية للمنظمة علاقات صداقة وأخوة أو اتفاقيات تعاون في أي مجال من المجالات.
كما لا يجوز الترخيص بفتح مكتب للمنظمات الدولية غير الحكومية إذا كانت أهدافها المعلنة في قوانينها الأساسية أو برامجها تتعارض مع أحكام هذا القانون العضوي أو التشريعات والتنظيمات السارية. ويحظر على مكتب المنظمة الدولية غير الحكومية اتخاذ المنظمات والممثليات الدبلوماسية والقنصلية الأجنبية أو دور العبادة مقرا له.
بالإضافة إلى ذلك، لا يُسمح للأشخاص الأجانب الذين يتمتعون بالحصانة الدبلوماسية بفتح مكتب للمنظمة الدولية غير الحكومية أو النشاط فيه.
عقوبات صارمة ضد المخالفين
كما تضمن النص الجديد فرض عقوبات صارمة على كل شخص يدير جمعية لم يتم تسجيل تصريح إنشائها أو لم تعتمد أو لم يرخص لها بالنشاط، أو يواصل تسيير جمعية معلقة أو محلولة.
وتتمثل العقوبة في الحبس لمدة تتراوح بين 3 إلى 6 أشهر، وغرامة مالية تتراوح بين مائة ألف دينار وثلاثمائة ألف دينار، أو بإحدى هاتين العقوبتين.
كما يُعاقب بالحبس لمدة تتراوح بين سنة واحدة إلى 5 سنوات، وبغرامة مالية تتراوح بين عشرين ألف دينار ومائتي ألف دينار، كل عضو في جمعية يبدّد عمدا أو يختلس أو يتلف أو يحتجز بدون وجه حق، أو يستعمل بشكل غير شرعي لصالحه أو لصالح شخص أو كيان آخر، أي ممتلكات أو أموال أو أوراق مالية أو أشياء ذات قيمة تعود ملكيتها للجمعية أو مخصّصة لها.