تواصل الحرب على تبييض الأموال ومطاردة العمليات المشبوهة
ـ المحاسب مطالب بكشف المالك أو المسيطر فعليا على الشركة
ـ التصريح بالشبهة يتم من دون إبلاغ الزبون المعني
رغم تأكد خروج الجزائر من القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي “غافي” واحرازها خطوة نالت التقدير، دخل مهنيو المحاسبة والتدقيق في الجزائر مرحلة جديدة من الرقابة الصارمة على الأموال والمعاملات المالية، بعد ما وضع المجلس الوطني للمحاسبة قواعد تلزم الخبراء المحاسبين ومحافظي الحسابات والمحاسبين المعتمدين بالتصريح عن العمليات المشبوهة لدى خلية معالجة الاستعلام المالي، مع منعهم من إبلاغ الزبون المعني بأنه محل اشتباه.
ولا يتوقف الأمر عند ذلك، إذ أصبح المهني مطالبا بكشف الشخص الذي يقف فعليا وراء الشركة وتحديد “المستفيد الحقيقي” منها، إلى جانب الاحتفاظ بوثائق الزبائن والمعاملات والتحليلات لمدة لا تقل عن خمس سنوات.
وتحمل المنظومة الجديدة تهديدا مباشرا للمخالفين، إذ يمكن أن تصل العقوبات التأديبية إلى الشطب من المهنة، في وقت يخضع فيه المهنيون لرقابة المجلس الوطني للمحاسبة، بما فيها الرقابة على الوثائق والتفتيش في عين المكان، كما أن العمليات غير المنسجمة مع النشاط الاقتصادي للزبون أو التدفقات المالية غير المعتادة يمكن أن تتحول إلى نقطة انطلاق لتصريح بالاشتباه، ضمن مقاربة رقابية قائمة على مستوى المخاطر، تستهدف إحكام الرقابة على مسار الأموال ومنع استخدام الشركات والهياكل القانونية لإخفاء مصادرها أو أصحابها الحقيقيين.
وفي السياق، أصدر المجلس الوطني للمحاسبة مذكرة توجيه وتحسيس لفائدة الخبراء المحاسبين ومحافظي الحسابات والمحاسبين المعتمدين، حدد فيها التزاماتهم في مجال مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار أسلحة الدمار الشامل، محذرا من أن الإخلال بها قد يؤدي إلى عقوبات تأديبية تصل إلى الشطب.
وتضع المذكرة التي اطلعت عليها “الشروق” مهنيي المحاسبة والتدقيق في قلب منظومة الكشف المبكر عن الجرائم المالية، باعتبارهم يطلعون على معلومات حساسة تخص نشاط المؤسسات وحساباتها وتدفقاتها المالية، ما يلزمهم بالتعرف على مصادر الأموال، وفهم طبيعة العمليات، ورصد أي حركة لا تنسجم مع النشاط الاقتصادي المعلن للزبون.
وأكد المجلس أن الخبراء المحاسبين ومحافظي الحسابات والمحاسبين المعتمدين مصنفون ضمن المهن غير المالية المحددة، وبالتالي فهم ملزمون بتطبيق إجراءات الوقاية من تبييض الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار أسلحة الدمار الشامل، بما فيها التصريح بالاشتباه.
وتشمل الالتزامات التعرف على الزبائن والتحقق من هوياتهم، وتحديد المستفيد الحقيقي من الشركات والعمليات، والتأكد من مصدر الأموال وطبيعة التدفقات والمعاملات، مع جعل مستوى اليقظة متناسبا مع درجة المخاطر.
ولا يقتصر الأمر على الوثائق الرسمية، إذ يتعين على المهني تحديد الأشخاص الطبيعيين الذين يمارسون في نهاية المطاف الملكية أو السيطرة الفعلية على المؤسسة، خاصة في الحالات التي يمكن أن تستخدم فيها الشركات أو الهياكل القانونية لإخفاء المالك الحقيقي أو مصدر الأموال.
عملية غير منسجمة مع النشاط تقود إلى التصريح بالشبهة
وتشمل مؤشرات الاشتباه، حسب المذكرة، العمليات غير المنسجمة مع النشاط الاقتصادي للزبون، والتدفقات المالية غير المعتادة، وكل معاملة تثير شكوكا حول مصدر الأموال أو وجهتها. وفي حال الاشتباه في ارتباط الأموال أو العمليات بتبييض الأموال أو تمويل الإرهاب، يصبح المهني مطالبا بإعداد تصريح بالاشتباه وإرساله إلى خلية معالجة الاستعلام المالي، مع توثيق عناصر الاشتباه والحصول على وصل استلام. كما يمنع على المهني إبلاغ الزبون المعني بأنه محل تصريح بالاشتباه، حتى لا يتم إفشال التحقيقات أو إخفاء الأموال أو إتلاف الأدلة. ويلزم المهنيون أيضا بالاحتفاظ لمدة لا تقل عن 5 سنوات بوثائق هوية الزبون والمستفيد الحقيقي، وبيانات المعاملات والعناصر التي تبرر التحليلات التي أجريت، بما يسمح بإعادة تكوين العمليات عند التحقيق أو الرقابة.
مسؤول امتثال وتكوين مستمر داخل مكاتب المحاسبة
وتفرض المذكرة على مكاتب المحاسبة والتدقيق وضع برامج مكتوبة للامتثال، تتضمن سياسات اليقظة وإجراءات الرقابة الداخلية وآليات كشف المخاطر، إلى جانب تعيين مسؤول للامتثال في مجال مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار أسلحة الدمار الشامل، مع منحه الوسائل والصلاحيات الضرورية.
كما يتعين ضمان التكوين المستمر للموظفين، خصوصا بشأن الأنماط الجديدة للجرائم المالية وتقنيات إخفاء الأموال وطرق اكتشاف العمليات غير العادية.
وشدد المجلس في المقابل على استقلالية المهنيين وموضوعيتهم وضرورة تفادي تضارب المصالح أو أي تأثير يمكن أن يمس مصداقية عمليات التدقيق.
وأكد المجلس الوطني للمحاسبة أن هذه الالتزامات ليست مجرد توصيات، وإنما تخضع للرقابة، إذ يتولى إعداد الأنظمة والخطوط التوجيهية والتعليمات ومراقبة مدى احترامها، من خلال برامج رقابة قائمة على المخاطر، تشمل فحص الوثائق والمعلومات والسجلات، إضافة إلى الرقابة في عين المكان. وفي حال تسجيل نقائص، يتعين على المهنيين تنفيذ التعديلات والتحديثات اللازمة لتحسين أنظمة مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار أسلحة الدمار الشامل.
أما المخالفون، فيواجهون عقوبات إدارية وتأديبية تتدرج من الإنذار إلى الشطب، حسب طبيعة وخطورة المخالفة.
الرقابة حسب مستوى المخاطر
وتعتمد المنظومة على مقاربة قائمة على المخاطر، تسمح بتشديد إجراءات الرقابة عندما تكون المخاطر مرتفعة، واعتماد إجراءات مبسطة عندما تكون منخفضة. ويطالب المهنيون بتحديد مستوى الرقابة وفقا لثلاثة معايير أساسية: ملف الزبون، طبيعة العمليات، المخاطر الجغرافية أو القطاعية، مع متابعة مستمرة لمدى انسجام العمليات مع النشاط الاقتصادي المعروف للعميل.
وتستند المذكرة إلى ترسانة من النصوص، أبرزها القانون رقم 05-01 المؤرخ في 6 فيفري 2005 المعدل والمتمم، والقوانين 15-06 لسنة 2015 و23-01 لسنة 2023 و25-10 المؤرخ في 24 جويلية 2025. كما تشمل المراسيم التنفيذية المتعلقة بالتصريح بالاشتباه، وخلية معالجة الاستعلام المالي، وبرامج الرقابة الداخلية، وتجميد وحجز الأموال والعقوبات الدولية المستهدفة.
ومن أبرز النصوص الحديثة المرسوم التنفيذي رقم 26-163 المؤرخ في 20 أفريل 2026 المتعلق بالسجل العمومي للمستفيدين الحقيقيين للأشخاص المعنوية والتركيبات القانونية، إضافة إلى القرار المؤرخ في 14 أفريل 2026 المتعلق بوضع نظام الوقاية من تبييض الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار أسلحة الدمار الشامل بالنسبة للخبراء المحاسبين ومحافظي الحسابات والمحاسبين المعتمدين.
وتعكس هذه المنظومة توجها نحو إشراك مهن المحاسبة والتدقيق بشكل أكبر في الوقاية من الجرائم المالية، من خلال مراقبة مسار الأموال، وكشف المستفيد الحقيقي، والإبلاغ عن العمليات المشبوهة، بما يعزز شفافية المؤسسات ويحمي النظام المالي والاقتصادي من مخاطر الأموال غير المشروعة.