توبة على الإنترنت
مع حلول شهر رمضان من كلّ عام، يسمع رواد بيوت الله خطبا ودروسا كثيرة تدعوهم إلى التّوبة وإلى جعل رمضان محطّة للمراجعة وفتح صفحة جديدة يقلع فيها المسلم عن غشيان المعاصي والمنكرات ويقبل على الطاعات والقربات.. وهي الدّعوات التي يفهم أكثر المسلمين أنّها تخصّ واقعهم الحقيقيّ الذي يعيشونه، ولا علاقة لها بالواقع الافتراضي، واقع الإنترنت، الذي أصبح يأخذ من شبابنا وكثير من كهولنا أكثر وأثمن أوقاتهم، وأضحى يتربّع على سلم أولوياتهم.
لقد أصبح الوقت الذي يقضيه كثير من إخواننا الشّباب في تصفّح الفايسبوك ومواقع التّواصل الأخرى أكبر من الوقت الذي يقضونه في واقعهم المعيش، حتى وصل بعض شبابنا إلى ما يشبه الإدمان لهذا الواقع الافتراضيّ.. فكان لزاما أن تتزامن الدّعوة إلى إصلاح واقع الحياة، مع الدّعوة إلى إصلاح واقع الإنترنت.. الحياة مع الإنترنت فرضت نفسها وأخذت نصيبها الأوفر من حياة أكثر الشّباب، وأصبح لزاما على الدّعاة والخطباء أن يجعلوا لها حظّا وافرا من دروسهم وخطبهم، ويكونوا قبل ذلك على دراية واسعة بواقع هذه الحياة الأخرى، وبالهمّ الأكبر الذي تحمله فيها فئة الشّباب خاصّة.
إنّه لأمر مؤسف حقا أنْ أصبحت الإنترنت عند كثير من الشّباب ملاذا يعيشون فيه حياة الانفلات من كلّ القيود، فما كان يطلبه بعض اللاهثين خلف الخلاعة المحرّمة في المدن الأوروبية، في بانكوك وغيرها، أصبحوا يجدونه على الفايسبوك وغيره من المواقع، بالصوت والصورة، وما عاد يردعهم عن الانحدار في هذا الدّرك رادع، خاصّة مع شيوع الهواتف الحديثة التي لا يحتاج معها أصحابها إلى دخول مقاهي الإنترنت ولا إلى الانزواء في زوايا غرفهم.
إنّ شبابنا في أمسّ الحاجة إلى من يذكّرهم بأنّهم محاسبون عن كلّ صغيرة وكبيرة في العالم الافتراضيّ.. محاسبون على كلماتهم وأفعالهم وتصرّفاتهم.. محاسبون على ما ينشرونه من كلمات وصور ومقاطع وما يبعثونه من رسائل، تماما كما يحاسبون على ما يقترفونه من آثام في الواقع الحقيقيّ.. وهم مدعوون إلى أن يتوبوا إلى الله ويصلحوا حياتهم على الإنترنت كما هم مطالبون بإصلاح حياتهم في بيوتهم وأماكن عملهم.
رمضان فرصة مناسبة، ليعلن العبد المؤمن توبته إلى الله عمّا جنته يداه وعيناه وأنامله في عالم الإنترنت، ويسعى لإصلاح ما أمكنه إصلاحه؛ يصلح صفحته على الفايسبوك، فيحذف منها كلّ كلمة أو مقطع أو صورة يعلم أنّ الله لا يرضاها، ويدعو رفقاءه ليتوبوا إلى الله، ويقطع صلته مع كلّ من يصرّ منهم على المضيّ في طريق الغواية، ويقطع صداقاته مع بنات ونساء المسلمين، لأنّ مثل هذه الصّداقات هي من أبواب الفتن التي دخل منها كثير من الشّباب إلى عالم الشرّ والفساد.