الثورات العربية
ثراء الحكام وفقر الشعوب
من سوء حظ حكامنا العرب أن شعوب أمتنا تكتنز في وعيها التاريخي ووجدانها صورة نموذجية عن الحاكم الزاهد الشجاع، فلازالت حاضرة في روح الأمة هيبة عمر بن الخطاب وتقشفه وزهد علي بن أبي طالب وعدله وحزم أبي بكر الصديق ورباطة جأشه وتطهر عمر بن عبد العزيز وتفانيه وكذلك علماء الأمة وأئمتها . .. وأدرك العرب ان زعيم القوم خادمهم وهو الذي يحرس الأمة ويمنحها حبه وتفانيه فتهبه قيادها وتدخل معه حربه وسلمه ..
-
وفي مراحل لاحقة منحت الأمة فرصة اخرى ان ترى قادة زاهدين في المال وحطام الدنيا، فكان جمال عبدالناصر وهواري بومدين وياسر عرفات، حيث غادر الرجال الثلاثة وليس في حساب أحدهم أكثر من راتب شهر ولم يترك أحدهم بيتا له في دنيا الناس.. ولذا ظلت قيمة هؤلاء الرجال الثلاثة محفوظة في وجدان الناس رغم ما قد يكون هناك من اختلاف في وجهات النظر معهم .
-
إن مفاجأتنا كبيرة في هذه المرحلة بتوارد معلومات فوق الخيال عن ثروات الملوك والحكام العرب.. فمن ملك يعتبر رقما متقدما من أثرياء العالم لاستحواذه على تجارة الأفيون والمخدرات ونهب ثروات بلاده، فيما شعبه يعيش فقرا يدفعه الى الهامشية والإحباط والعيش المميت.. إلى زعيم عربي في بلد صغير يكتنز من المال ما يكفي شعبه لسنوات عديدة.. أليس من الجنون ان يمتلك مبارك وعائلته عشرات مليارات الدولارات، فيما الشعب المصري يعيش حالة من الفقر المدقع؟! أليس من الخيال ان يمتلك زين العابدين وأنسابه وزوجته عشرات الملايير، فيما يحول الشعب التونسي الى سماسرة سياحة.. كيف نفهم ان يأخذ القذافي عشرات الملايير من الدولارات وأطنان الذهب والماس، فيما تعيش ليبيا حياة ناشفة جدباء.. لا يمكن فهم المنطق الذي تلبس بالحاكم العربي وهو يصرف ثروة شعبه إلى جيبه الخاص وجيوب عائلته واصدقائه.. فيما يغريه صمت الناس وسكوتهم وظاهر قبولهم بالمهانة والإذلال.. ولعل من سوء طالعهم انهم يجدون تصفيقا وترحيبا ينسيهم أنهم امام مرتزقة لا عهد لهم ولا ميثاق وأن هؤلاء المرتزقة سيكونون في مقدمة الشامتين والمتخلين عن الحكام عندما يرون أن الكفة مالت لغيرهم..
-
إننا مدفوعون الى اشتقاق اصطلاح جديد على هذا الصنف من الحكام أنهم “الحكام اللصوص” ولن يذكر لهم التاريخ إلا هذه الصفة، ولغبائهم انهم لم يعتبروا من التاريخ القديم والقريب ولم يعتبروا بالحاضر الذي يرون.. ففي التاريخ لم يهرب لص بما سرق وبالذات من الحكام اللصوص حتى لو امتد به الزمن وانتقل ماله الى ذراريه فإنه لا بد عائد إلى الناس بطريقة او بأخرى ..
-
ان هناك طرقا أخرى لجمع المال، فهناك قطاعات من التجارة والزراعة والصناعة، أما أن يخاصر هؤلاء الحكام ليضعوا أيديهم على على ثروة الشعب وماله الخاص.. وكما قال لي ذات مرة رجل أعمال جزائري يدعي “جلي” التقيته بباريس صدفة بأحد المقاهي هناك، أن الحكام العرب يستطيعون بذكائهم ان يتركوا السياسة ويعملوا بالتجارة فإنهم سيجمعون أموالا طائلة بسبب مالهم من علاقات عديدة ..
-
إننا ازاء نمط عجيب من تحول حامي الديار والممتلكات العامة والأموال العامة إلى متملك لها متصرف بها كيفما شاءت غرائزه ولا يقف هذا الأمر عند هذا الحد، حيث يصبح الحاكم اللص مضطرا الى الخضوع للأجانب حتى يغطوا على جرائمه ويصبح مضطرا لملاحقة الأحرار والعالمين العارفين بما هناك لكي يظل هو وما يملك في مأمن .. والأسوأ في هذه الحكاية الرديئة أن الحاكم اللص يرعى عصابة لصوص يمتصون دماء الناس .. وهكذا تستمر اللعبة المجنونة حتى يأتي قدر الله .
-