جار السوء.. والسموم
الأرقام التي تفضّلت بها مصالح الأمن، نهاية الأسبوع، عن حصيلة ما حُجز ومن جُرّ إلى العدالة في قضايا المتاجرة والترويج للمخدرات بكل أنواعها في سنة 2024، تثير الرعب فعلا، فقد تضاعف رقم المحجوزات من الحبوب المهلوسة مثلا، من سبعة ملايين قرص، إلى أربعة عشر مليون قرص، وارتفع عدد القضايا المرتبطة بالمخدرات في المحاكم الجزائرية من جنح وجنايات، إلى أكثر من مائة وثلاثين ألف قضية في السنة، لقرابة مائتي ألف مشتبه فيه، ودخل عبر الحدود خمسة أطنان من الكيف المعالج وثلاثة قناطير من الكوكايين، وبدلا من أن تكبح هذه الحملات الأمنية والصحية والدينية والمجتمعية، هدير هذا الطوفان الجارف، اتضح بأن عين الذين يريدون السوء بالجزائريين وبشبابهم، لا تنام أبدا.
في ذات الحصيلة، كان اللافت بأن منبع الطوفان، هو الجار الغربي الذي يبدو وأنه اقتنع بأن التنويم المغناطيسي أو بعبارة أدق التنويم المخدراتي أو المخدر المنوِّم، الذي حقن به شعبه، يظن بأنه يمكن تصديره إلى جيرانه أو الذين يكشفون أطماعه في الجغرافيا والتاريخ.
ولأن العدو ظاهر، والهدف بائن، والخطر فعلا كائن، فإن الجزائريين مدعوُّون لتحصين أنفسهم وأبنائهم على وجه الخصوص، وتحويل الرعب إلى الجهة المقابلة التي حوّلت تجارة المخدرات إلى اقتصاد قائم بذاته، تقوم على أركانه عروش ملوك مراكش، الذين طبّقوا من زمن بعيد، نظرية الضرورات تبيح كل المحظورات والممنوعات والمحرمات بما فيها الكبائر، إذ لا ممنوع، ما دام يحقق المال، في بلد أحلّ المتاجرة بالرق الأبيض وبالسموم وبالأرض وبالعرض، لمن يدفع أكثر.
تميّزت ثورات الجزائريين وحَراكهم وحَركاتهم وإنجازاتهم، بالتحدي، وبكثير من الإصرار، وتحويل القضية إلى شأن عام، يخص كل الناس. بإمكاننا أن نشهد انتصارا كاسحا على هذا المارد، المصنوع في بلاد حلمها الأول وربما الوحيد أن ترى الجزائر تتجرع من كأس السموم، وهي البلاد الوحيدة في العالم التي أزعجها استقلال الجزائر وتخلّصها من شوكة آذتها لمدة قرن وثلث قرن، فحاولت إيلامها في حرب الرمال التي دفنت رأسها النتن في حبّات رملها، وعندما عجزت، باشرت حربا سرية استعملت فيها كل الأسلحة المسمومة.
على الجزائريين أن يعلموا بأن الحرب على المخدرات هي حرب مصيرية ومقدسة، والنصر فيها يحقق العديد من الإنجازات لبلادنا والعديد من الانتكاسات للأعداء، وقدرُنا أن نرفع التحدي ونجعل من هذه الأرقام المليونية في عدد الأقراص المهلوسة التي يجري حجزها والتي تفلت من الرقابة، أرقاما مجهرية، ونقلّص عدد المروّجين والمتعاطين والمدمنين، ضمن حرب تشارك فيها كل فصائل الأمة، حتى يكون الانتصار جماعيا كما كان في مختلف الثورات التي خاضتها الجزائر، وترجمها الشيخ ابن باديس في نشيده الخالد:
يا نشء أنت رجاؤنا وبك الصباح قد اقترب
خذ للحياة سلاحها وخض الخطوب ولا تهب
وأذق نفوس الظالمين سمّا يُمزج بالرهب
من كان يبغي ذلنا فله المهانة والحرب.