جامعات ثانوية
ما يحدث عندنا في المدارس والجامعات (التي تحوّلت هي الأخرى إلى “ملحقة بالليسي”!)، وما نتحدث عنه من عنف وممارسة لها داخل المدارس والثانويات وخارجها، لا يمثل شيئا قياسا بما يحدث في الجامعات من تدهور قيمي وأخلاقي ومستوى تعليمي وانحدار نحو الهاوية لقيم السلوك الحضاري عند كثير من الطلبة كما لدى بعض الأساتذة.. عندما يتحول الطالب إلى الغش والنقل والسرقة العلمية، إلى “محمي” من طرف بعض التنظيمات والطلبة وحتى بعض الإدارات، فلِمَ لا يتصعلك الطلبة على الأساتذة والإدارة وعلى زملائهم أيضا داخل الحرم الجامعي؟ نحن بصدد تفريخ جيلٍ همّه الوحيد هو الشهادة التي تُمنح له مهما كان الأمر، لا ليعمل بها، لأن مصيره هو الشارع، ولكن ليشهد بها أنه تعلّم، أو فقط لكي يؤجل دخوله إلى الخدمة الوطنية، أو فقط لأن والديه يرغمانه على “التشهُّد”!
باسم الغش والنقل، تُغلق أبواب الجامعات أحيانا.. جامعاتنا التي مع الأسف لا تلبِّي طموحات الطلبة ولا الأساتذة، في جوٍّ علمي بيداغوجي، قاعات الامتحانات تحوَّلت إلى أسواق، إلى ملعب “أم درمان”، وهذا من باب أقلّ ما يقال، لأن الواقع أمرّ وألعن، والخوف كل الخوف من مستقبل دون مستقبل، هؤلاء الفائزون بالباك.. فما بالك بالفاشلين فيه؟ كيف لوزارة التربية أن تحارب كل هذه الأوصاف التي تصل إلى الجامعة و”تتخرّج” وتحضِّر لما بعد الدكتوراه وتطالب بالتوظيف والتعليم في الجامعة!؟ يعني تخريج جيل آخر من الفراغ الكلي، إنها لمأساة فعلا، نحن مقبلون عليها إن لم نُعِد للتعليم والتربية والجامعة دورها ومستواها الذي انهار مع سياسية “شراء السلم الاجتماعي”: قم بمظاهرة وأحرق البناوات.. وعندك 20 يوما عطلة! أحرق وكسر.. وستستفيد من عتبة في الباك.. ولِمَ لا مواضيع الباك مستقبلا.. ولِمَ لا الباك؟ حتى دون امتحان.. على مقاس “ديمقراطية بلا ما تفوطو”! وزارة التربية ليست وحدها مسؤولة عن هذا الانحدار ولا وزارة التعليم العالي، إنها سياسة بلا ريجيم، سيستام.. تام!
نمتُ على هذا الهوس، لأجد نفسي أُجري امتحانا لطلبة في مقياس “علم النفس الأمَّارة بالسوء”! أحدُ الطلبة في مدرَّج يضم 70 فردا وفردة.. يقول لي: آآآمحمد.. (هكذا يخاطب الطلبة الأستاذ).. هذا قاع مشي سؤال: ماذا تقول نظرية “فريد”؟ شكون هو هذا “فريد” بعدَا؟.. أحنا قاع ما قريناش على هذا “فريد” نتاعك! انفجر المدرّج ضحكا في قلب الامتحان.. قلت له: هذا ولد أختك.. فريد الأطرش، اقرأ مليح الورقة وإلا ارجع للسنة الأولى ابتدائي! أغلق فمه من ضحكات أصحابه وأفهموه أنه “فرويد” مش فريد. آخر، راح ينقل عيناني، عندما قلتُ له: أعطني الورقة. قال لي: الله ينعل الراصة نتاعك! أنتوما قاع مش أساتذة وهذه قاع مش جامعة.. ما نقراش عندك وديجا أنت شيعي! هاك الزبل نتاعك.. ودابور أنا عندي حانوت..! وخرج وهو يسبّ ويطيَّح في الكلام! آخر.. خرج معه منتصرا له: صاحبي.. (هكذا قال لي..).. حتى أنا نخرج مع صاحبي.. أحنا موس واحدة تذبحنا، زيد هذا القراية في روحك.. تدخَّل الحراس وأخرجوا الاثنين بالدمير.. الطلبة الآخرون “جابهم النيف” على أخيهم “المحقور” مسكين ووقفوا معه مهلِّلين مكبِّرين: أستاذ.. أستاذ.. هذاك يتيم.. عنده غير بوه وأمه (وعلاه أنا عندي زوج آباء؟) وكلام مثل هذا، كل هذا وأنا أضحك ولم أُبْدِها لهم.. أضحك من هذا الجيل الذي أنتجته سنوات الزبربر.. وما حدث للعرب والبربر من طرف العجم والتتر، ومن عاصرهم من ذوي الشيطان الأكبر!
وأفيق.. على مكالمة من ابنتي: بابا الأستاذ ما خلانيش أنقّل.. حقرني!