الجزائر
وكالات سياحية تكثّف رحلاتها نحو العاصمة لزيارته

“جامع الجزائر” صرح ديني وجوهرة سياحية تستقطب الجزائريين صيفا!

روبورتاج: مريم زكري
  • 1032
  • 0
أرشيف

على هضبة المحمدية، يتربع “جامع الجزائر”، ثالث أكبر مسجد في العالم، تحفة معمارية، وصرح ديني ووجهة سياحية فريدة من نوعها، لما تحمله من معاني العراقة والأصالة والمعاصرة في نفس الوقت، فلا يمكن للمتجهين نحو العاصمة، ألا يتوقّفوا عنده، فتجذبهم هندسته المعمارية، التي مزجت بين جمال العمارة الإسلامية بطابعها المغاربي الأندلسي، وآخر ابتكارات الهندسة والبناء في العالم.

لم يكن للعاصمة الجزائرية أن تتوّهج كل الوهج الذي هي فيه الآن، لولا الصرح المعماري الديني الثقافي السياحي المميز المنجز على مدخلها الشرقي، وهج أضاف بهجة سياحية لعاصمة البهجة، وهي التي تتربع على مقومات ومسارات سياحية جعلتها توصف بعاصمة البحر الأبيض المتوسط. المتوجه إلى الجزائر عن طريق الجو، يلمح قطبا مستنيرا على هضبة قريبة من البحر، أما المبحر نحوها وعبر سفن المسافرين القادمة من كل قارات العالم، فتقابله البناية الراقية على أطراف البحر أمام منارتها التي ترتفع بشموخ،بمجرّد أن تطأ قدماه أرض الجزائر وتلمح عيناه ذاك الرونق السياحي الذي لن يجده في أي مكان آخر، تزاوج وفسيفساء تجمع زرقة البحر بعمران الجامع ومحيطه وكامل المدينة.

زائروه يتوافدون أفواجا من مختلف ولايات الوطن
جذب نحو هذا المعلم الديني والسياحي، نلمحه اليوم في عدد الزائرين للعاصمة خاصة من الجزائريين من داخل البلاد من الولايات الداخلية منذ بداية صيف 2024، فكل من يلج حدود العاصمة إلا وبرمج زيارة إلى الجامع، على ذلك تلك الصور الكثيرة التي تعج بها وسائل التواصل الاجتماعي، وحتى المشاهد اليومية لوفود من الزوار القادمين من شرق وغرب وجنوب البلاد، في صورة تعكس اهتماما بتعزيز وتشجيع السياحة الداخلية من قبل السلطات.
“الشروق” زارت المسجد الأعظم بحيث قضينا يوما كاملا داخله وطفنا بمختلف مرافقه، انطلاقا من قاعة الصلاة التي شدتنا طريقة التنظيم المحكم بداخلها، ثم نحو المركز الثقافي الذي احتضن ندوات لشيوخ ودكاترة، بالإضافة إلى “دار القرآن” التي شهدت هي الأخرى لقاءات علمية بمختلف المناسبات الدينية والوطنية، قبل أن نتوجه نحو الباحة الرئيسية للمسجد التي اصطف العشرات من الزوار على حواف نافوراتها الأربع لأخذ للاستمتاع بمشهد غروب الشمس وصوت خرير مياهها.
وهنالك لمسنا مدى انجذاب الجزائريين واعتزازهم بهذا الصرح، فالجامع وإن بدا للبعض مكانا للعبادة فحسب، فإنه أكثر من ذلك وأكبر، هو قِبلة، لا يمكن بأي حال من الأحوال تجاهلها، ونحن بالمكان رصدنا توافد الزوار من غير المصلين نحو المسجد منذ منتصف النهار إلى آخر ساعات الليل، حيث استغلت العائلات الفرصة للتجول بداخله بعد أداء صلاة المغرب أين تزداد الحركة والنشاط بمحيط المسجد.

مغتربون يكتشفون الجامع الأعظم لأول مرة!
وأضحى المسجد أعظم مقصدا للجزائريين المغتربين خلال الأشهر القليلة الماضية، والأكيد أن صيف 2024 كان مميزا بالنسبة لهم، خاصة أن المغتربين من الجالية الجزائرية المقيمة في الخارج، لا حديث بينهم إلا عن التطور الذي تشهده الجزائر خلال الأعوام الأخيرة، وذاك الاهتمام بواجهة البلاد، واجهة تجسدت في جامع بمواصفات العمران العالمي بهوية إسلامية جزائرية خالصة.
وفي هذا الصدد، تكشف “صونيا” التي التقيناها بساحة المسجد تلتقط بعض الصور لأطفالها خلال حديثها لـ”الشروق”، عن مدى إعجابها بالهندسة المعمارية الجميلة للجامع، حتى إنها وصفت شعورها لدى دخولها لأول مرة أنها تتواجد بالحرم المكي، ذات الأمر عبرت عنه سيدة أربعينية قدمت رفقة وكالة سياحية من ولاية أم البواقي في أثناء انتظار الوفد المرافق لها، أين اغتنمنا الفرصة لتبادل أطراف الحديث معها، لتخبرنا أنها قصدت العاصمة في إطار رحلة سياحية، وكان المسجد أهم نقطة بالبرنامج المسطر ليوم كامل، فيما خصّص اليوم الموالي من الرحلة لزيارة بقية المعالم الأخرى، على غرار مقام الشهيد وحديقة الحامة.

شجيرات من الأقصى الشريف بحديقة المسجد
ونحن نطوف بأرجائه الفسيحة، جذبتنا حدائقه ونافورات المياه التي تحولت إلى خلفيات جميلة لالتقاط صور “سالفي” للذكرى، حدائق بتصميم هندسي جميل، غرست بها أشجار ذكرت في القرآن الكريم، على غرار التين والزيتون والرمان، ونباتات عطرية أخرى ذات روائح زكية وطيّبة، منها نبات السدر والزعتر وإكليل الجبل، كما توجد أنواع جميلة من الورود ترصع مربعات الحديقة بألوان زاهية، مثل الورد الجوري والورد الدمشقي والياسمين الأصفر، وجود كل هذه المساحات للحدائق بجامع الجزائر، لم يكن صدفة بل هو عبارة عن وصف دقيق لحضارة المسلمين في بلاد الأندلس، أين ازدهرت حينها الحدائق الغناء، وسط ساحات القصور والمساجد.
أكثر ما يجذب الزائر إلى المسجد، هدوء حدائقه أو ما تعرف بـ”الحدائق الإسلامية” أو “حدائق القرآن”، تضم الحدائق أشجار ومساحات خضراء، قسمت إلى 18 حديقة صغيرة مغروسة بأشجار مثمرة ونباتات مذكورة في القرآن الكريم، تتميز كل حديقة وتختلف عن الأخرى باختلاف النباتات والأشجار المغروسة فيها، كما نقلت ثلاث شجيرات زيتون في تراب قدسي، من ساحة الأقصى الشريف إلى حديقة جامع الجزائر، وغرسها عميد جامع الجزائر الشيخ محمد المأمون القاسمي رفقة قادة فلسطينيين، يوم أول نوفمبر 2022، بمناسبة انعقاد قمة جامعة الدول العربية بالجزائر، والذي تزامن أيضا مع ذكرى اندلاع الثورة التحريرية عام 1954.

عضو النقابة الوطنية لوكالات السياحة والأسفار:
جامع الجزائر معلم سياحي عالمي
من جهته، صرح علي مناصر عضو النقابة الوطنية لوكالات السياحة والأسفار لـ”الشروق”، قائلا إن المسجد الأعظم يعتبر قطبا سياحيا بامتياز، ولم يأخذ حقه الكامل لحد الساعة، مضيفا أن الزيارات إلى جامع الجزائر لا تزال محتشمة، بل يستحق أكثر من ذلك في الواقع.
وأضاف المتحدث، أن المسجد قد يبلغ عدد زواره مستقبلا ما آلاف السياح يوميا، لما له من امتيازات خاصة وفريدة من نوعها، ودعا مناصر إلى البحث عن سبل ناجعة، من أجل جذب السياح الأجانب، والترويج للخصائص التي تميّز هذا المعلم عن غيره من الأماكن السياحية، من خلال إشراك المتعاملين في مجال السياحة، ضمن البرامج السياحية، وتكوين مرشدين ذوي خبرة وكفاءة عالية، وعلى دارية كافية بقيمة المعلم من جميع النواحي، التاريخية والدينية، حتى يتمكنوا من إيصال المعلومة بطريقة صحيحة للسياح خاصة الأجانب، بخصوص هذا المعلم الذي يتوقع أن يتحول إلى قبلة سياحية عالمية، في حال ما كان هناك تغيير جذري في عملية تنظيم الخرجات السياحية من قبل الوكالات والجمعيات الخاصة.

مواقع التواصل للترويج للمسجد سياحيا في الخارج
في سياق آخر، كشف صانع محتوى ترويجي سياحي لوجهة الجزائر عبر منصات التواصل الاجتماعي، المدعو خالد حمزي في تصريح لـ”الشروق”، أن الجزائر تملك مقومات سياحية ضخمة تحتاج فقط للترويج لها من خلال الصوت والصورة، ومواكبة التطورات التكنولوجية والرقمنة لجذب عدد أكبر من السياح، ليس فقط الأجانب بل حتى من داخل الوطن.
مشيرا إلى أن العديد من الجزائريين لم يتمكّنوا من معرفة ما تزخر به بلادنا من مناطق سياحية وأثرية مدهشة، كما يمكن أن تساهم الرقمنة والمواقع الافتراضية في التسويق لبعض المعالم السياحية بالطريقة التي تليق بها؛ وأكد المتحدث، أن العاصمة لوحدها يمكنها أن تكون منطقة جذب واستقطاب.
وتطرق محدثنا إلى أن الجامع الأعظم من بين المعالم والأماكن السياحية التي يمكنها استقبال آلاف الزوار يوميا وهو ما يحدث فعلا، ومن المتوقع أن يتضاعف عدد الزوار القادمين من المناطق الداخلية لاستكشاف المكان، وقد تسجل أرقام غير مسبوقة لعدد السياح.

الجامع الأعظم ينافس مقام الشهيد سياحيا
ونوه حمزي، إلى أن “مقام الشهيد” كان أبرز المعالم التي تجذب زوار العاصمة منذ عقود وتربع لسنوات طويلة على عرض الأماكن الأكثر استقطابا للسياح القادمين من مختلف الولايات، قبل أن يكسر زوار المسجد الأعظم كل تلك الأرقام، كما أنها قد تصل إلى 5000 شخص يوميا أغلبهم من ولايات داخلية.
واستطرد محدثنا قائلا إن تواجد “جامع الجزائر” بجانب منتزه الصابلات الذي يستقبل عددا كبيرا من المجموعات السياحية الممثلة في وكالات وجمعيات ونوادٍ وحتى أفراد خارج التنظيمات السياحية، يسمح له بأن يكون معلما سياحيا بامتياز مع توقع تدفق أعداد مهولة للزوار مستقبلا.
من جانب آخر، أشار المتحدث إلى أن السياحة الداخلية نحو العاصمة تشهد حاليا تزايدا في الأرقام، ومن الضروري العمل على تحسين خدمات النقل وتنوعها، بحكم ما تعانيه العاصمة من اختناق مروري على مدار أيام السنة.
واقترح خالد حمزي، وأيضا تهيئة ميناء الحمدانية وتقليص حركة الاقتصاد في ميناء الجزائر، وفتح خطوط داخلية للنقل البحري، خاصة أن الجامع يقع بالواجهة البحرية، وأيضا توفير كل الضروريات المتطلبة لراحة السائح، قائلا إن “جامع الجزائر” يبقى أحد أكبر المساهمين في خطة السلطات وإرادتها لتعزيز السياحة الداخلية على وجه الخصوص، إذ كان منذ تدشينه الرسمي، ولازال إلى الآن، وجهة سياحية لكثير من الجزائريين القادمين من ولايات أخرى بعيدة وقريبة، والمنارة المضيئة والمُعينة على التوجه العام للسلطات العمومية نحو إعادة الجزائر لمكانتها السياحية والثقافية الطبيعية.

مقالات ذات صلة