العالم
بورقيبة فتحه للسائحات العاريات وبن علي جعله منبرا علمانيا

جامع الزيتونة .. تحرّرت تونس من الاستبداد وبقي وحده مقيّدا

الشروق أونلاين
  • 4861
  • 16
ح.م

منذ هروب الرئيس السابق زين العابدين بن علي، هربت معه الكثير من مظاهر الاستبداد، فصارت مساجد تونس مليئة بالمصلين والمصليات، وتحرّر لسان الأئمة وصارت كلمة الحق، تقال من دون خوف من الحاكم أو من حاشيته، ومن دون إشارة من أي مسئول، كما صار الحجاب ديكورا طاغ في كل مدن تونس بما فيها السياحية التي يسيطر عليها التواجد الأوروبي، ولكن جامع الزيتونة الذي يعتبر أقدم جامعة إسلامية في العالم، مازال مصيره غامضا بين مدّ المتشددين وجذب العلمانيين، فتأخر بزوغ نوره، وبقي هيكل من دون روح، سواء بالنسبة للجامع أو الجامعة.

ويتفق التونسيون على أن سنوات الجفاف من بداية عهد الراحل الحبيب بورقيبة إلى نهاية عهد الهارب زين العابدين بن علي، هي التي عطلت تحرّر هذا الصرح، ولعبه الدور الذي كان يتحدث عنه المرزوقي في منفاه وراشد الغنوشي في سجنه، فبقيت الزيتونة معطلة وزاد في تعطلها، ما يحدث لها حاليا من معركة معلنة، حمى وطيسها بين إمام الجامع الشيخ حسن العبيدي ووزير الأوقاف نورالدين الخادمي، إلى درجة التخوين واتهامات بين الإرهاب والوهابية وحتى الداعشية في بلد مازال يتخبط في مخاضه السياسي العسير.

سألنا الشيخ الحسين وهو إمام في مدينة سوسة عن قضية جامع الزيتونة الذي خلى على عروشه في الصلوات الأخيرة سواء في أيام الجمعة أو بالنسبة للصلوات الخمس، بعد أن امتدت إليه الفتنة، فاعترف بأن وضع الجامع صار صعبا لأن الشيخ حسن العبيدي الإمام الحالي المعين من وزارة الأوقاف، مصرّ على البقاء فيه إماما، برغم الإقالة التي تعرض لها من طرف وزارة الأوقاف  .

   وتكمن صعوبة الوضع في كون الطرفين طعنا بعضهما البعض بنفس التهمة، وهي الوهابية وكانا قبل بضعة أسابيع متحدين ويعملان مع بعضهما البعض، ويصرّ الكثير من شيوخ تونس على أن جامع الزيتونة قد سقط فعلا في يد المليشيات التي لا دور لها سوى السياسة وترهيب من يخالفها في الرأي، وكل من لا يمشي في فلكها فهو خائن أو حتى كافر، حسب رأيها طبعا، وكل المحاضرات التي انتظمت في الجامع في شهر رمضان الأخير، كانت ذات أبعاد سياسية، وهناك شيوخ كثيرون كانوا يحلمون بأن يلقوا محاضرات في جامع الزيتونة منذ عهد الديكتاتورية البورقيبية والعابدية، واعتصرهم الحلم أكثر بعد نجاح الثورة، ولكنهم عاشوا الخيبة الكبرى .

 ويوجد الجامع في أسوء أيامه في الفترة الأخيرة بسبب هذه الصراعات، حتى في طريقة الآذان وإقامة الصلاة، ويقول تونسيون من أبناء العاصمة سألتهم الشروق اليومي عن رأيهم، بأنهم صاروا يختارون أماكن أداء الصلوات في مساجد أخرى غير جامع الزيتونة، بسبب رائحة الفتنة التي ظهرت في خطب الجمعة وفي إقامة الصلاة، والوضع مرشح لمزيد من التصعيد لأن الإمام الحالي وفريقه مصممون على البقاء، ويطالبون بسحب البساط من تحت أقدام وزارة الأوقاف الحالية، والوزارة مصرّة على تحرير الجامع من الإمام وجماعته حسب تعبيرها.

ولم تجد مختلف الحكومات التي قادت تونس منذ نجاح الثورة حلا يعيد لجامع الزيتونة نوره الذي عرف به في النصف الأول من القرن الماضي، فتجاذبته مختلف الأطراف وبلغ الآن مرحلة تعفن لم تحدث حتى في عهد الحبيب بورقيبة الذي كان يرسل بنفسه خطب الجمعة لإمام الجامع ليقرأها وبعضها تتحدث عن نضال الحبيب بورقيبة وعن برنامجه السياسي والاقتصادي والاجتماعي بالخصوص وعن تحديد النسل، وكان الراحل يعتبر الجامع معلما سياحيا وليس دينيا، وأمر بفتحه للسياح الذين داسوا حرمه، وكان منظر السائحات الألمانيات والإيطاليات والفرنسيات وهن شبه عاريات داخل الجامع يثير الغيورين على إسلام تونس، وعلى هذا الجامع، الذي خرّج حتى الأزهريين، بينما امتدت يد الرئيس الهارب زين العابدين بن علي لجامعة الزيتونة فقسمها إلى ثلاث كليات تحت رقابة الأمن التونسي، ثم ألغى شهادات الماجستير والدكتوراه وحوّل جامعة الزيتونة التي درس فيها عظماء الإسلام ومنهم الشيخ عبد الحميد بن باديس إلى مبنى سياحي باع بطاقاته البريدية للسياح .. وفقط.


من بن خلدون.. إلى بن باديس

الزيتونة هي أول جامعة في العالم الإسلامي، وجامعها هو الأقدم في المغرب العربي بعد جامع القيروان، وبني الجامع في عام 80 هجرية، ويقال أن الخليفة الأموي الراشد عمر بن عبد العزيز سهر بنفسه على أن يعطي لهذا الجامع طابعا حضاريا يتماشى مع الدولة الإسلامية في ذلك العصر الذهبي، فأرسل إليه الفقهاء وباشر دوره كجامعة منذ العهد الأموي أي قبل جامع الأزهر الشريف بقرون وقبل جامعات أوروبية كبيرة، تخرج منه الآلاف من العلماء من كل الأقطار ولعب الزيتونة دورا فعالا في تكوين رجالات جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ومنهم الشيخ عبد الحميد بن باديس، وكتب عن الجامع والجامعة كل رجالات الفكر عندنا ومنهم الشيوخ العربي التبسي والعقبي والبشير الإبراهيمي.

كما مر عبره المؤرخ بن خلدون، واعترف شكيب أرسلان ومحمد عبده، بأن الجامع منارة سبقت الأزهر بسنوات، والذي يقرأ سيرة الشيخ عبد الحميد بن باديس يرى بأن قسنطينة والعاصمة وتلمسان في عهد الشيخ، كانت تستقبل المئات من شيوخ الزيتونة، ويستقبلهم الشيخ بن باديس في بيته ويمنحهم فرص تفقيه الجزائريين وتعليمهم، وبقيت المدرسة الباديسية ومدرسة التربية والتعليم بقسنطينة، تابعة لجامع الزيتونة إلى غاية نهاية الخمسينات من القرن الماضي، في عهد الشيخ العربي التبسي.

 ونجح الجامع من صدّ الحملات الصليبية التي استهدفت دول المغرب العربي، فرجعت خائبة بسبب الحجج العلمية التي كان يقدمها شيوخ جامع الزيتونة، الذين لم يكونوا يرفضون أي طالب علم يأتيهم من الجزائر أو من المغرب أو من ليبيا، وبدلا من أن يسير الجامع بعد أن بزغت منه الجامعة على نفس المنوال السابق، حدث ما لم يكن في الحسبان، وتراجع الجامع والجامعة وفي عام 1990 في عهد زين العابدين بن علي بلغ تعداد الطلبة 200 طالب فقط، تم تقسميهم على أربعة أقسام في ثلاث شُعب لا تستقبل سوى الطلبة التونسيين وتراقب برامجها من رجال الأمن التونسي، وصارت جامعة الزيتونة أقل شأنا من أي دار حضانة أو مدرسة ابتدائية، وأصبحت الجامعة الوحيدة في العالم التي لا تخرّج طلبة يحملون الماجستير والدكتوراه، وحتى بعض التونسيين صاروا ينكّتون بهذا الصرح الكبير، ويعتبرون أي متخرج منه أميّ لا يفقه شيئا لا في علوم الدين ولا في علوم الدنيا.

وبدلا من أن تحقق الثورة الإشعاع المرجو من الجامع والجامعة، صار وزير الأوقاف يصف الجامع بديوان الفساد وإمام الجامع يتهم الوزير بسرقة أموال الهبات ورجال المال التي تتهاطل على الجامع من كل بلاد العالم، ونجت تونس هذا الأسبوع من فتنة كبرى عندما قررت الحكومة استرجاع الجامع بالقوة، وطرد الإمام منه، بينما قرّر الإمام التشبث بمكانه، وقال أفراد من جماعته بأنهم مستعدون للموت على أن يتركوا الجامع للحكومة، وهدّدت مواقع إلكترونية من شلال دم، وتحدثت صراحة عن أسبوع الدم في حالة تقدم الحكومة من الجامع، ولكم أن تتصوروا مسجدا بني على التقوى صلى فيه عبد الحميد بن باديس وجمال الدين الأفغاني والغزالي وبن خلدون يعيش هذه الأجواء المشحونة، وبعد أن كان صرحا دينيا في عهد ما قبل بورقيبة، ثم صرحا دنيويا في عهد بن علي، فقد دينه ودنياه نهائيا في الفترة الأخيرة.

مقالات ذات صلة