الرأي

جبهة التحرير مرة أخرى

ما حدث يوم الخميس، في مقر حزب جبهة التحرير الوطني بالعاصمة، من اقتحام وتشابك، سقطت فيه كل البروتوكولات الصحية والأخلاقية، يؤكد بأن الوباء الذي أصيب به هذا الحزب منذ عهد الراحل عبد الحميد مهري، قد انتقل من المزمن إلى الميؤوس من شفائه، بالرغم من أن الحزب كان عليه أن يحمد الله بكرة وعشيّا، وأن يجلس أهلُه القرفصاء يشكرون الخالق، لأنهم نجوا بأعجوبة من غضب الشارع، في حَراكه المبارك، إذ ظل الحزب مقترنا بكل الهتافات الداعية لرحيل الفاسدين وأزلام النظام السابق وجبهة التحرير.

لا يهم في قضية بعجي وهيأة التنسيق الوطنية لجبهة التحرير، الداعية لرحيل الرجل الأول في الحزب، من هو على حق ومن هو على باطل، بقدر ما يُقرف المواطنين هذه الممارسات التي تتم في مقرٍّ، من المفترض أن الذي يدفع كراءه وفواتير الكهرباء والماء فيه هو الدولة. فقد مرت البلاد في هذه الصائفة بمحن لم تشهدها منذ استقلالها، ولم نسمع كلمة حق واحدة أو على الأقل اجتهادا، من رجل ينتمي إلى هذا الحزب الذي يبدو أنه عتيقٌ بالمناوشات والصراع على المقاعد فقط، فهو من جهة يزعم بأنه يمتلك مؤسسات ورجالات في كل المجالات، ولكنه في الحروب الحقيقية من اجتماعية وثقافية واقتصادية نجده مثل النعامة يدسّ رأسه في التراب، وفي أحسن الأحوال يميل حيث مالت السلطة فنجد رجالاته الذين حملوا إطار الرئيس السابق وطالبوه بالترشُّح لعهدةٍ خامسة، هم أنفسهم من يبايعون من يخلفوه، من دون أن نرى نيَّة حقيقية في التجديد، في حزبٍ يقال عنه إنه سياسي، وهو لا يمارس أي نوع من السياسة، ماعدا الصراع الدائم على المقاعد ضمن تجربة “بافلوف” الشهيرة؛ فكلما أطلّ هلال الانتخابات، ظهر أفراده وفُتحت مقرّاته، وما عدا ذلك فهو سباتٌ صيفي وشتوي.

مناضلو جبهة التحرير في غالبيتهم يؤمنون بضرورة التداول على الغنائم التي تفرزها الانتخابات، والجيل الحالي لا يقدِّم أفكارا جديدة لبعث الحزب، حسب متطلبات الجزائر الجديدة، وإنما من أجل تغيير الجالسين على المقاعد النيابية، وحتى المحلية، التي ستعرف وجوها جديدة في شهر نوفمبر القادم، وهذا ما يولّد في كل مرة صراعات مُقرفة بين من يسمّون بـ”مناضلي” الحزب العريق، وهم في الأصل لا علاقة لهم بالنضال الحقيقي ولا بالعراقة.

لم تكن مشكلة الجزائر في نظامها وفي حكامها فقط، وإنما أيضا في هؤلاء الانتهازيين والمطبِّلين والمزمِّرين الذين عزفوا دوما لحن الولاء مقابل مقاعد نيابية، في تجارةٍ سياسية بائسة كانت سببا في التخلُّف الذي ضرب البلاد، وهزِّ أركانها في العشريتين الماضيتين، وأيُّ إصرار على المواصلة، هو إصرارٌ على ترك البلاد تدور في حلقة مفرغة، لا مسيِّر فيه سوى الباحث عن المناصب والامتيازات.

مقالات ذات صلة