الرأي

جحيمٌ في جنة

يُطلق على مدينة جيجل “جوهرة الشرق الجزائري”، ولو قيل إنها “جوهرة الساحل الجزائري” لما كان في هذا القول أدنى مبالغة أو غلوّ، مع عدم التقليل من جمال مُدننا وسحرها الطبيعي، الذي شوّهه بعضُ أبنائِها العاقّين بإهمالهم أو بإفسادهم، ولو ادّعوا أنّهم محبُّون لها ومُصلحون.
ذلك الجمالُ السَّاحر الذي شوَّهه من شوَّهه، هو ما لمسته يداي وأبصرته عيناي في يوم الأربعاء 26/ 8/ 2026.
أصبحتُ ورفيقاي في مدينة جيجل، وهما من إطارات المنطقة، وخطّطنا للذهاب إلى بلدة “بن ياجيس”، مسقط رأسي، وهي تقع إلى جنوب شرق جيجل، وشعرنا بحرارةٍ غير طبيعية، وبعد فترة قصيرة تناهى إلى علمنا أنّ النيران قد شبّت في عدّة مناطق من تلك الجبال الشامخات التي كانت قِلاعا وحصونا لمجاهدينا، وأصبحت الطريقُ غير آمنة.
غيّرنا وجهتنا نحو الساحل الشرقي لمدينة جيجل، وسلكنا الطريق الوطني المؤدّي إلى مدينة قسنطينة، فمررنا بعدّة بلدات أعرفها مُذْ كانت قرى صغيرة هادئة كالعنصر، وسيدي عبد العزيز، والقنار، وبازول، وبلغيموز، والجناح، وجمعة بني حبيبي، حيث أحسسنا بأنّ الحرارة اشتدّت، خاصة لما رأينا عبر وسائل الاتصال أنّ السيد الوالي يوجد في أحد المواقع الملتهِبة، فعلمنا أنّ الأمر أخطر ممَّا تصوَّرنا.
عُدنا أدراجنا، وتوقّفنا في بلدة “الجناح”، وتناولنا وجبة خفيفة من السمك، ولم نستبنّها رغم لذّتها، ثم وقفنا أمام نصب تذكاري لمعركةٍ بطولية قادها المجاهد الشهيد الرمز في تلك المناطق هو المختار دخلي، المشهور باسم “البَركة”، لِما ألحقه بالأعداء الفرنسيين من خسائر رغم قلّة العدد وانعدام العُدد، فترحّمنا على شهداء الجزائر كلّهم.
أذّن المؤذِّن لصلاة الظهر فتوجّهنا إلى مسجد صغير، قيل لنا إنّ كثيرا من أعضاء جمعية العلماء المباركة قد زاروه، وهم الإمام ابن باديس وتلاميذه من أبناء المنطقة مبارك الميلي، ومحمد الصالح ابن عتيق، وأحمد حمّاني، وعلي مرحوم وغيرهم…
كلما تقدّم الوقت شعرنا بأنّ الحرارة تزداد شدّة، وتذكّرنا قول الله- عزّ وجلّ-: “نارُ جهنّم أشدّ حرًّا”، وغطت السماءَ سحابةٌ سوداء فلم نعُد نرى أيَّ مساحة خالية من السُّحب السوداء، فالتجأنا إلى مطار “فرحات عبّاس” قرب مدينة الطاهير، فرارا من شدّة الحرارة، وانتظارا للطائرة التي تعيدني إلى مدينة الجزائر. وعندما أقلعت الطائرة، أقسم بالله أنّني رأيتُ القمر كأنه احمرَّ من غزارة النيران.
إنّني أدعو إلى تطبيق قانون الإعدام على هؤلاء المجرمين، وألا تأخذنا فيهم رأفة، فقد أزهقوا أرواحا، وأتلفوا خيرات، وهدموا بيوتا، وألا نلقي السمع لهذه الغربان التي تدعو إلى عدم تطبيق قانون الإعدام. رحم اللهُ شهداء الحريق، وشفى الجرحى، وعزاء لمن فقد حبيبا، وعوّض من أصابته خسارة.

مقالات ذات صلة