الجزائر
سعداوي يقرّ أن تسوية وضعيتهم تخضع لشرط الأقدمية

جدل إدماج الأساتذة الرئيسيين والمكونين يعود إلى الواجهة

نشيدة قوادري
  • 1056
  • 0
ح.م

في وقت يترقب فيه الآلاف من الأساتذة، عبر مختلف ولايات الوطن، صدور حلول جذرية لمشاكلهم المهنية العالقة، عادت قضية إدماج الأساتذة الرئيسيين والمكوّنين الذين تقل أقدميتهم عن أربع سنوات لتطفو على سطح النقاش مجدداً، أين قدم وزير التربية الوطنية محمد الصغير سعداوي “توضيحات قانونية” عن القضية لتبيان الرؤية الرسمية، وذلك قصد تفادي التأويلات والاجتهادات حول إمكانية تسوية وضعيتهم.
وأبرز المسؤول الأول عن القطاع، في هذا الشأن، أن الحصول على رتبة جديدة أو الإدماج فيها يخضع لجملة من الشروط القانونية والتنظيمية، أهمها “شرط الأقدمية” الذي لا يمكن تجاوزه أو القفز عليه.
وأضاف سعداوي أن أي تغيير أو تعديل في هذه المعايير يتطلب مراجعة شاملة للنصوص الأساسية، وهو أمر لا يخضع لقرار قطاعي أحادي، بل يحتاج إلى تنسيق مع المديرية العامة للوظيفة العمومية وهيئات أخرى معنية.

الوزارة: تمسك بالقوانين وتأكيد على العدالة
وفي رده المكتوب المؤرخ في الفاتح سبتمبر الجاري والحامل لرقم 1057، على سؤال كتابي للنائب بالمجلس الشعبي الوطني، بشير عمري، والحامل لرقم 8263، أوضح وزير التربية الوطنية أنّ إدماج هذه الفئة لا يمكن أن يتم خارج الإطار القانوني المنظّم للوظيف العمومي، بحيث تبنى في هذا الشأن حزمة من التوضيحات، واستند بذلك إلى المرسوم التنفيذي رقم 25-54 المؤرخ في 21 جانفي 2025، والذي تضمن في مواده 83 و84 و85 بالنسبة لسلك الأساتذة في التعليم الابتدائي، والمواد 103 و104 و105، بالنسبة لسلك الأساتذة في التعليم المتوسط والمواد 119 و120 و121، بالنسبة لسلك الأساتذة في التعليم الثانوي، أحكاما قانونية مفصلة وواضحة لكيفية الإدماج في مختلف الرتب، بما فيها شرط الأقدمية المطلوبة للإدماج في الرتبة الأعلى، والمقدرة بسبع “07” سنوات خدمة فعلية أو بين أربع “04” سنوات وأقل من سبع “07” سنوات، مع متابعة تكوين قبل الإدماج، أي من لديه أقدمية عن أربع سنوات، تم إدماجه في الرتبة المطابقة للرتبة التي كان يشغلها قبل صدور القانون الأساسي الجديد، ويحتفظ بأقدميته للمشاركة في الامتحان المهني للترقية إلى الرتبة الأعلى.
وذلك كله، تنفيذا لتوجيهات رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، القاضية بمنح امتيازات للمعلمين والأساتذة، فبالإضافة إلى تثمين الشهادات، فقد استفادوا أيضا من تدابير وإجراءات التخفيض في مدة الأقدمية المطلوبة للإدماج من عشر “10” سنوات المعمول بها في جميع القوانين الأساسية التي تحكم الموظفين التابعين للوظيفة العمومية، إلى أربع “04” سنوات فقط.
وعليه، فإن إدماج الأساتذة المعنيين في الرتب التي تضمنها القانون الأساسي الخاص الجديد، تم وفق الضوابط المنصوص عليها والسالف ذكرها، ولم يتم المساس بتاتا بحقوقهم المكتسبة، حيث جرى إدماجهم في الرتب المطابقة للرتب التي يشغلونها من حيث التصنيف، مع الاحتفاظ بأقدميتهم في الرتب الأصلية “رئيسي أو مكون”، التي ستجمع مع رتبة الإدماج لتقدير الأقدمية المطلوبة للترقية في رتبة أعلى، يضيف وزير التربية الوطنية.
ومن ثمة، فإن المرسوم التنفيذي سالف الذكر، الصادر في الجريدة الرسمية بتاريخ 23 جانفي 2025، قد نص في مادته 291 على أنه يسري ابتداء من أول جانفي، أي أن أحكامه تطبق من هذا التاريخ، إلا ما ارتبط منها بشرط أو نص تطبيقي يشدد الوزير.
وبالتالي، فإن الاستفادة من أحكام الإدماج، تتم انطلاقا من المراكز القانونية الناشئة قبل صدوره، والتي تصدر عادة لفائدة الموظفين، بموجب قرارات فردية صادرة عن السلطة التي تملك صلاحية التعيين والتسيير، “التعيين، الترقية، الإدماج، التربص، الترسيم”، حيث يتم الاعتماد على آخر رتبة يشغلها المعني بغض النظر عن طريقة الالتحاق بها، ما يؤكد أن القوانين الأساسية وقوانين العمل واضحة في تحديد شروط الإدماج والترقية يوضح الوزير سعداوي.
وبناء على ما سبق، شدد وزير التربية الوطنية، على أن الضوابط والمعايير، سالفة الذكر المعمول بها في الوظيفة العمومية، وتوجيهات الرئيس تبون، هي أساس الأحكام المتعلقة بالترقية والإدماج التي تضمنها المرسوم التنفيذي 25-54.

الحوار مفتوح… والملف قيد الدراسة
وبالاستناد إلى ما سبق، لم يغلق الوزير الباب نهائياً، حيث أكد في نفس الرد على أن الوزارة حريصة على فتح قنوات التشاور مع مختلف الشركاء الاجتماعيين، وأن النقاش بشأن التعديلات الممكنة في القانون الأساسي متواصل.
وأشار سعداوي في هذا الصدد إلى أن أي مقترح يتطلب مراعاة التوازنات المالية والتنظيمية، وأخذ بعين الاعتبار العدالة بين جميع الأسلاك والرتب، حتى لا يفتح المجال لمطالب مماثلة من فئات أخرى.
ولفت الوزير إلى أن المراسيم التنفيذية التي تتضمن القوانين الأساسية الخاصة بالموظفين، تستمد أحكامها من القانون الأساسي العام للوظيفة العمومية، وفق مستويات التأهيل والشبكة الاستدلالية لمرتبات الموظفين، وتخضع للضوابط المعمول بها في مجال المسارات المهنية والإدماج في رتب أعلى والشروط الواجبة لذلك.
ومن هذا المنطلق، وبغض النظر عن المزايا الإضافية التي خص بها رئيس الجمهورية موظفي التعليم (المعلمين والأساتذة) فإن الترقية من رتبة إلى رتبة أعلى تتم بثلاث طرق هي: الامتحانات المهنية لمن يثبت خمس (5) سنوات خدمة فعلية، أو التسجيل في قائمة التأهيل لمن يثبت عشر (10) سنوات خدمة فعلية، أو الترقية على أساس الشهادة المتحصل عليها بعد التوظيف في الاختصاص المطلوب، وذلك في حدود المناصب المالية الشاغرة والنسب التي تخصص لكل نمط، وهو ما نصت عليه أحكام المرسوم التنفيذي رقم 25-54 سالف الذكر.
أما الإدماج في الرتب الأعلى، الذي تنص عليه الأحكام الانتقالية فيخضع للأقدمية في الرتبة والتي يشترط ألا تقل عن عشر (10) سنوات خدمة فعلية بهذه الصفة، أو للأقدمية في الرتبة مع متابعة تكوين أو على أساس الشهادة في الاختصاص المطلوب، حسب تصنيف رتب الإدماج.

النقابات… بين الترحيب والتحفظ
رد الوزارة أثار تبايناً في المواقف داخل الأسرة التربوية. فبينما اعتبرته بعض النقابات موقفاً منسجماً مع القوانين ولا يمكن للوزير تجاوزه بشكل انفرادي، رأت نقابات أخرى أن استمرار غلق باب الإدماج أمام هذه الفئة قد يؤدي إلى إحباط في صفوف الأساتذة المعنيين، لاسيما وأنهم يمارسون فعلياً مهام الرتبة التي يطالبون بتثبيتها.
واستندت النقابات الداعية إلى الإدماج إلى أن الأستاذ المكوّن، على سبيل المثال، يضطلع بمسؤوليات إضافية تتعلق بتأطير وتكوين زملائه في الميدان، خاصة مع تراكم سنوات الخدمة وتزايد الأعباء البيداغوجية والإدارية، وهو ما يجعله يستحق الترقية حتى قبل استيفاء شرط الأقدمية، معتبرة أن “الخبرة الفعلية تغني عن الأقدمية الزمنية”.

البعد الاجتماعي والنفسي للإدماج
من الناحية الاجتماعية، يرى العديد من المتابعين أن استمرار هذا الوضع من شأنه أن يضاعف من حالة الإحباط والتذمر داخل صفوف الأساتذة، خصوصاً الجدد الذين التحقوا برتبة رئيسي أو مكوّن بعد سنوات من الدراسة والتكوين، ليصطدموا بحاجز إداري يحول دون تثبيت وضعياتهم.
وفي نفس السياق، يحذر خبراء التربية من أن تراكم هذه الإشكالات المهنية يؤثر على الأداء التربوي داخل الأقسام، حيث يفقد المعلم جزءاً من حماسه واندفاعه، الأمر الذي ينعكس سلباً على التحصيل الدراسي للتلاميذ.
وإلى ذلك، يبقى السؤال مطروحا: هل ستشهد المرحلة المقبلة تعديلاً في القانون الأساسي، يفتح المجال أمام إدماج هذه الفئة، أم أن الملف سيبقى يراوح مكانه بانتظار مراجعة شاملة للمنظومة القانونية الخاصة بقطاع التربية؟
وفي مقابل ذلك، فإن المؤشرات الحالية، توحي بأن المراجعة الشاملة “حتمية”، خاصة وأن الوزارة شرعت منذ أشهر في إعداد مسودات معدلة ومتممة للقانون الأساسي الجديد، بالتنسيق مع النقابات المعتمدة، وهو ما قد يفتح نافذة أمل أمام الأساتذة الرئيسيين والمكوّنين لتحقيق مطلبهم.
واستخلاصا لما سبق، فإن ملف الإدماج في قطاع التربية، يختزل في طياته الكثير من التعقيدات القانونية والمالية، لكنه في الوقت نفسه يعكس حجم التطلعات المشروعة للأساتذة نحو العدالة المهنية. وبين تمسك الوزارة بنصوص القانون، وإصرار النقابات على رفع الغبن عن هذه الفئة، يبقى الحوار هو السبيل الأمثل للوصول إلى صيغة توافقية.
فالمدرسة الجزائرية، التي تراهن على جودة التعليم وفعالية الكادر البشري، تحتاج إلى تحفيز أساتذتها وتثمين جهودهم، بما يضمن استقرار القطاع ويعزز الثقة في السياسات التربوية. والكرة الآن في ملعب الشركاء الاجتماعيين والحكومة معاً، لإيجاد مخرج توافقي يحفظ هيبة القانون ويستجيب لتطلعات الميدان.

مقالات ذات صلة