-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

جريدة وادي ميزاب 1926-1929…أولى الجرائد اليقظانية

عمر ميموني
  • 31
  • 0
جريدة وادي ميزاب 1926-1929…أولى الجرائد اليقظانية

ابتدأ الشيخ إبراهيم أبو اليقظان (1888-1973) نشاطه الصحفي في الجزائر بإصداره لجريدة وادي ميزاب، التي أظهرت مدى قوة النضال بالكلمة والقلم في وجه الاستعمار الغاشم، فكانت بدايةً فارقةً في مسار الصحافة العربية الإصلاحية بالجزائر من خلال قضاياها المطروحة وأسلوبها في المعالجة وإرادة وعزيمة صاحبها في مواجهة الصعوبات والعراقيل التي وضعت في طريقها، ولذا فإنه جدير بنا أن نقف على محطات من كفاحها القلَمي في الذكرى المئوية لصدورها؛ وما ذاك إلا إشادة بمواقفها واستلهام للعبر من عزيمة فريقها بغية توعية المجتمع الجزائري المسلم وتوجيهه لما فيه صلاحه وخدمةً لدينه وأمته، ولعل ما يبعث على الإكبار والإجلال للشيخ أبي اليقظان وهذه الجريدة أنها كانت تطبع في تونس وتوزع وتقرأ في الجزائر والبلدان المجاورة، وكانت منتظمة الصدور لمدة تزيد على السنتين، في صورة تبعث على العزيمة الصادقة القوية، فإنه لو تخيلنا ما سيلاقيه أصحابها من عنت ومشاق في ذلك لأمكننا أن ندرك حجم تلك التضحيات في سبيل المجتمع الجزائري وانتصاراً لدينه وهويته.

صدر العدد الأول من جريدة وادي ميزاب يوم الجمعة 22 ربيع الأول 1345ه الموافق 01 أكتوبر 1926م، وقد جاء اسمها مكتوباً بخط الثلث في وسط الجزء الأعلى (اللوغو)، وكانت تصدر كل يوم جمعة حسبما ورد تحت اسم الجريدة، وأما عن اليمين فكانت المكاتبات باسم مدير الجريدة أبي اليقظان إبراهيم بن عيسى، مع عنوان الجريدة بنهج لالير عدد 39 بالجزائر، وأما الإعلانات فإنها يتفق عليها مع المدير، وفي الجانب الأيسر كتب في الأعلى ثمن النسخة وهو 30 سنتيماً، مع رقم السنة ورقم العدد، وفي أسفله قيمة الاشتراكات السنوية في القطر الجزائري (30 سنتيماً)، وفي تونس والمغرب وطرابلس (35 سنتيماً)، و(40 سنتيماً) في سائر الأقطار، وكانت تطبع بالمطبعة التونسية نهج سوق البلاط بتونس، فكان السيد الأديب قاسم بن الحاج عيسى وكيل الجريدة بتونس، وصاحب امتيازها هو قاسم العنق.

جاء في خطة الجريدة التي تريد السير عليها وتبينيها في عددها الأول أن عدة الصحافة هي من مقومات حياة الأمم في هذه العصور، وهي تندرج في جميع مناحي الحياة العامة والخاصة، ولذا فمن المحزن أن تكون أمة كالأمة الجزائرية ذات ستة ملايين نسمة في مساحة ثلاثمائة ألف ميل مربع بلا صحافة حرة تعبر عن آمالها ومقاصدها وآلامها، فكان لا بد من رسم أهداف واضحة تكون مساراً لهذه الجريدة؛ تلافياً لتلك الحالة الأسيفة التي يعرفها القطر الجزائري، فكان مقصد تأييد الحق والعدالة والحرية بين كافة متساكني الجزائر هو أولاها، وأن السعي في روح الاتحاد والإخاء بين مسلمي الجزائر ودعم الصحافة الأهلية الحرة، ونبذ البغضاء بينهم ببذل الجهد في ذلك هدف ثانٍ لها، كما تسعى لأن تكون واسطة لإزالة سوء التفاهم بين الحكومة والأمة بنقل آمالها وآلامها بكل صراحة، وأن تبذل جهدها في محاربة الرذائل ونشر الفضيلة، كما تدعو الأمة لاكتساب العلوم والمعارف وإحياء اللغة العربية وتنشئة الأبناء تربيةً إسلاميةً صحيحة، وألا تتعرض للأعراض الشخصية إلا لدرء مفسدة أو جلب مصلحة، وغاية كل هذا ترقيةً لمدارك الأمة، ورفعاً لمستواها الأدبي والمادي والاطلاع على أحوال العالم الإسلامي وبقية الأجناس جمعاء.

بناء الشخصية الجزائرية العربية الإسلامية

ظلت هذه الغاية النبيلة ملازمةً لصحف أبي اليقظان الثمانية خلال مرحلة نضاله الصحفي (1926- 1938)، حيث إن مشربه الفكري وتنشئته الإسلامية والعربية قد أوجبت عليه الدفاع عن مقومات أمته ومجتمعه، فقد صرح في كتابه (تاريخ صحف أبي اليقظان) أن مبدأها “نصرة الدين والوطن ونشر الأخلاق الفاضلة، والحث على الاتحاد والعلم والألفة بين المتساكنين“، كما أن مشروع النهضة العربية الذي كانت قد بدأت أفكاره وقضاياه تصل إلى الجزائر أدى بالنخبة العربية الجزائرية لتبنيه؛ مواجهةً للتيارات الغربية ومقاومة الفكر الاستعماري الاستغلالي، إذ أن جريدة وادي ميزاب نشرت في عددها الأول دعوة صريحةً للاتحاد والتكاتف بين مسلمي الجزائر، بندائها (أيها الجزائري)، حيث أبرزت أن الجزائريين المسلمين إخوة لغةً وجنساً وديناً، فكان المقال مليئاً بعبارات الأخوة والتكاتف كقوله: “أيها الجزائري العزيز! أنت شقيق الجزائري الروحي، أبوكما الإسلام وأمكما الجزائر، فلكما وعليكما نحو بعضكما من الحقوق والواجبات ما للأشقاء وعليهم، أليس كذلك؟”، وما هذا إلا تأكيد صادق للأخوة الإسلامية ونبذ كل فُرقة أو تعصب وبغض، وهذه القضية المتعلقة بالأخوة الإسلامية قد ركزت عليها فرنسا الاستعمارية واستغلتها أبشع استغلال خدمةً لمشروعها الاستعماري كما هو معروف.

كان الدفاع عن اللغة العربية إحدى السبل الكبرى التي شكلت قضايا الجريدة، فلذاك تذبجت صفحاتها بعدة مقالات حولها، فرأت أن ضعف اللغة العربية في الجزائر مقارنةً بحالها في المشرق العربي هو راجع لعدة عوامل، فكان جهل الجزائريين بدينهم والعلم الصحيح هو السبب الأول في ذلك، إضافةً إلى أن الحكومة الفرنسية تحارب العربية وتمنعها في الإدارات والمدارس، بل وتمنع عامة الشعب المسلم الذين هي لغتهم من تعلمها والحديث بها، كما أن ضعف القومية العربية واندماجها في النزعة البربرية حال دون الرقي بهذه اللغة، فكان نتاج ذلك كله أن يجد المستمع للإنسان الجزائري أن حديثه خليط من كلمات فرنسية وبربرية وعربية مع رطانة في النطق، فيا أسفاه!، والأدهى من ذلك كله أن الكلمات العربية هي الأقل في كلامهم، إذ تجد كثيراً منهم يحبذ التحدث بالفرنسية حتى يظهر متحضراً متمدناً، مع ما في ذلك من الانسلاخ عن الأصل والهوية، ولا غروَ أن نجد رأياً لأبي اليقظان في قضية التجنيس، التي شاعت خلال تلك الفترة وكثر الجدال حولها بين العلماء والمثقفين، حيث لاحظ أن بعضهم تساهل في أمره وبعضهم سكت عنه خوفاً وجبناً، فكان أن استدل بنصوص شرعية تدل على كفر وردة المتجنس؛ لأنه استحل ما حرم الله وكذبه في أحكامه، فهذا المتجنس مشرك شرك مساواة، أي مساواة الله تعالى لغيره في شيء كالكذب والعجز كما يقرره المذهب الإباضي، وهذا الموقف الجريء من أبي اليقظان في هذه المسألة سيكون موقف جمعية العلماء منها فيما بعد وكثير من النخبة ورجال الدين.

وقد أعطت الجريدة مفهوماً واضحاً حول الوطنية، باعتبارها مصطلحاً كثر تداوله في تلك الفترة وصار شعاراً لكثير من الناس الذين اختلفت أفكارهم وأفعالهم، حيث إن بعضهم يفرح إن خوطب به ويحزن إن نزع عنه، وما ذاك إلا لاستغلالهم لهذا المفهوم خدمةً لأهوائهم، “فإنما الوطنية الحقة أن يسعى الإنسان قدر جهده لجلب الخير العميم لوطنه ودفع الضر عنه بمقتضى العقل والحكمة والشرع والقانون“، بل نبهت قراءها إلى وجوب التضحية لأجل كسب هذا اللقب عن جدارة، فليس على المرء أن يتوارى عن الأعين بسبب ما ناله في سبيل ذلك ولو كان قليلاً، ظناً منه أنها مما يقتات منه ويؤكل، بل يجب الثبات والصبر على المكاره والذود عن الحمى بكل صدقٍ وإخلاص، فالفرار من الميدان هو فشل له ولغيره الذين سيفشلون بفشله وسيلحق الانهزام بشعبه، ولذلك نبهت الجريدة إلى خطورة هذا الموقف.

حظيت مسألة التعليم باهتمام كبير من الجريدة وأقلامها لكونها إحدى المطالب الكبرى للحركة الوطنية والنخبة المثقفة، فإذا علمنا أن الشيخ أبي اليقظان كان من أبرز الوجوه المثقفة في جزائر ما بين الحربين أدركنا حجم اقتناعه بضرورة التعليم ورفع قيمة أهله في المجتمع الجزائري، إذ أن انتشار الجهل والخرافة قد عطل نهضة المجتمع وجعله مستنقعاً للاستغلال الاستعماري البغيض، بل رأى أن من غايات الصحافة الكبرى هو نشر العلم والأدب في المجتمع وربط الأمم بعضها ببعض واستفادتهم من علم وآداب بعضهم البعض، كما صرح بذلك في مقاله (الصحافة والعلم)، وأن ذلك هو الطريق الأوحد لحصوله على حقوقه وتحقيق مطالبه واستقلاله، وقد أحصى الدكتور محمد ناصر رحمه قرابة خمسين مقالاً في الجريدة حول التعليم وما يتعلق به من الدعوة إلى طرقه الحديثة ونبذ الطرق القديمة وعقمها وغير ذلك، كما وجهت دعوتها الصريحة ونبرتها الحادة إلى الحكومة الفرنسية وطالبتها بإعطاء الجزائريين المسلمين حقهم في التعليم، كما دعت الأمة الجزائرية إلى أخذ طريق العلم ونشره وجعله من أولى الضروريات، “فالصديق الحقيقي للأمة والعامل المخلص لها هو من يسعى في نشر العلم والعرفان بين أبنائها ويعمل على إبادة جراثيم الجهل منها، والعدو اللدود لها هو الذي يساعد على تفشي داء الجهالة فيها ويسعى في إطفاء أنوار المعارف عنها“، حيث إن صاحب المقال على جوهر المشكلة في تفشي الجهل بين الأفراد وهو تلك النظرة المتساهلة في شأن العلم بأنه أقل قيمةً من المال والمأكل والملبس، فتتوجه الهمم إلى تحصيل المال واعتباره قد يكون عائقاً في تحصيل الرزق؛ ولذلك كان هذا السبب الرئيسي في الزهد عن تحصيل العلم.

بيد أن هذه الدعوة الصريحة الأسلوب والحارة الخطاب التي قامت بها الجريدة قد أشفعتها بجانب مهم غاية الأهمية، ونعني بذلك موضوع التربية الصحيحة ومكانتها في حياة المجتمع والأمة، فكتب أحدهم ولعله أبو اليقظان مقالاً من ثلاث حلقات عنوانه (نحن إلى التربية أحوج منا إلى العلم)، واصفةً تلك الحالة بأنها سمو وترقٍ في جسم الإنسان وعقله ونفسه، لكون قريباً من الكمال الإنساني حتى يسعد حياته وآخرته، فلذا كانت هذه التربية الصحيحة مناطاً ليستفيد الإنسان من مواهبه وعقله وكذلك الحال بالنسبة للأمة، فإذا توفرت في أفراد الأمة عرفت كيف تستفيد من مواهبها مزاياها، وإذا انعدمت ضلت عن طريقها وبقيت عاطلةً عنها، وإن كانت الأمة الجزائرية قد عرفت بعدة مزايا كالكرم والشهامة والغيرة فإنه قد انتشر فيها الجفاء وجمود العقول وجفاف الطباع والتحاسد والتباغض بين أفرادها، وكل هذا يكون شفاؤه في دينها وتعاليمه السمحة.

محاربة الجمود الفكري والأفكار الدخيلة

انشغلت الجريدة بهذا الموضوع الذين شكل ظاهرة في المجتمع الجزائري آنذاك، فقد كثرت الانتقادات الساخرة والأهواء المقيتة ضد الإسلام والعربية من أولئك المعمرين الحاقدين، مع ما عرفت به بعض النفوس من تحجر عقلي يمنعها من قبول الحق والإصغاء للمخالف، وذلك دافعه الهوى والرضا عن النفس وعدم التمكن من ناصية العلم والمعرفة بشكل سليم، فمن ذلك إشادتها الحارة بجريدة الشهاب في ردها على مجلة موران الحاقدة على الإسلام التي وصفته بكل نقيصة، وجاء ردها في سلسلة مقالات استعانت بالأدلة التاريخية والأحكام الشرعية وغيرها، واحتجت الجريدة على مطالبة نواب المعمرين بنزع الأحكام للقضاة المسلمين وتعويضهم بمحاكم الصلح مع بقائهم موثقين فقط، واعتبرت ذلك سهماً ساماً موجهاً إلى الإسلام، بل ضمت صوتها ورفعت نبرتها برفض هذا المطلب جملةً وتفصيلاً.

وقفت الجريدة بكل حزم وشجاعة في وجه قضية التنصير التي انتشرت في المجتمع الجزائري وفضحت كل مخططات المنصرين وما يلاقوه من دعم وتسهيلات من الإدارة الاستعمارية وصحف المعمرين، حيث كتب الشيخ أبو اليقظان العديد من المقالات في هذا الموضوع منبهاً للمسلمين من الاغترار بأساليب أولئك المنصرين وكشف ألاعيبهم، كما انتقد بلهجة حادة الإدارة الاستعمارية التي تساهلت في هذا الموضوع، وأن تصرفها هذا ما هو إلا تنفير للمسلمين منها وكسب لكرهها منهم، ونشير هنا إلى أن منطقة وادي ميزاب كانت إحدى المناطق المستهدفة من التبشير بوجود عدة مراكز لهم بها وإقامة نشاطات مهنية وحرفية وتعليمية لاصطياد ضعاف النفوس من المسلمين أو الفقراء والمشردين، ولذلك ركزت الجريدة في مواجهتها تلك على هذه المنطقة، كما أن أقلامها كان معظمهم منها مثل أبي اليقظان، والفرقد (سليمان بوجناح)، ومحمد الطرابلسي الڤراري، بل إن هؤلاء الكتاب استعملوا كلمات واضحة وصريحة في عناوين مقالاتهم مثل (سخافة المبشرين)، (مؤامرات المبشرين ضد شمس الإسلام)، (دسائس المبشرين في بلاد الإسلام) وغيرها.

لقد أظهرت هذه المواجهة مع المبشرين أن جريدة وادي ميزاب وكل الأقلام المساهمة فيها مدركةٌ لأهداف ذلك المشروع، فلذلك لم تتوان في الرد على أقوالهم وبيان سذاجتها وسخفها، بل إن الأمر وصل بهم إلى إصدار جريدة وتقمصوا لها اسم (ميزاب) حتى يبثوا بين المسلمين فكرة بنوة عيسى المسيح وألوهيته!، وزاد الأمر صفاقةً أن صدروها بالبسملة لتضليل القارئ وإيهامه بأنها متوافقة المشرب والنزعة مع جريدة وادي ميزاب، ويجد القارئ لمقالات الجريدة حول هذا الموضوع خاصة في مقالات الفرقد شدة اللهجة والتحريض الشديد ضدهم وكشف أباطيلهم، فكان جزاؤهم أن منع من اجتياز شهادة البكالوريا ونيل شهادة المحاماة، وكل هذا لم يمنعه أو يخفف من حدة أسلوبه في مهاجمة المبشرين أو الإدارة الاستعمارية، وأما بقية الأقلام فقد عانت من التضييق والتشويه من أولئك الآباء البيض والمعمرين الذين سعوا لكتم أصواتهم لما يملكونه من نفود وسلطة في الحكومة الاستعمارية.

مقارعة السياسة الاستعمارية وفضحها

لم تخف الجريدة أي مناسبة أو فرصة لتعبر فيها عن انتقاد الإدارة الاستعمارية وتوعية المجتمع الجزائري بضرورة مطالبته بحقوقه، فنشرت العديد من المقالات تدعو فيها إلى إصلاح أوضاع مسلمي الجزائر السياسية والاقتصادية والثقافية، بل إن أبا اليقظان وجه نداءه للجزائريين بضرورة (الاعتماد على النفس) وحثهم على نبذ الكسل والتراخي، متمثلاً بأفعال الأمم الأخرى، وأن في اعتمادهم على أنفسهم عزة وقوة لهم ولدينهم، وفي تواكلهم واعتمادهم على غيرهم ذلة وضعف وإهانة لهم، ولما وقعت حادثة تمزيق أحد الضباط الفرنسيين لجواز سفر انتقدت بكل صراحة فعلته وشنعتها عليه، إذ أن ذلك إهانة للأمة والدولة ولا يجب أن تمرر فعلتها دون عقاب، ويذكر أبو اليقظان أن هذا المقال كان سبب تعطيل الجريدة، فلم تستسغ الإدارة الاستعمارية أن تنتقده جريدة عربية واعتبرته مساً بالشرف العسكري الفرنسي لا يسكت عنه، فكان أن استدعي للتحقيق من قبل مدير الشؤون الأهلية السيد ميرانت المعروف بنزعته المعادية للأهالي، وكان أن تكررت هذه الاستجوابات عدة مرات نظراً لوجود مقالات تهاجم الإدارة الفرنسية وتكشف تقصيرها وانحيازها ضد الأهالي.

فضحت الجريدة في كثير من مقالاتها تعمد الإدارة الاستعمارية إبقاء الأوضاع المزرية للجزائريين المسلمين وتهميشهم، وقد استغلت حادثة “السفينة أفريك” التي أقلت عمالاً جزائريين للعمل في فرنسا وقد مات أحدهم فيها بسبب الجوع، بأن نبهت عقلاء فرنسا إلى ضرورة معالجة تلك الأوضاع بمرهم العدل والإنصاف والمساواة، وأن غلق الحانات والمقامر وفتح المدارس والنوادي لتهذيب النفوس هو أحسن حل، وتدريبهم على المهن العصرية وحماية الصناعة الأهلية، ثم تخفيف كواهلهم من الضرائب ورفع القوانين الاستثنائية، فهذا كله سيؤدي إلى زوال آلام الأهالي وأتعابهم.

عاشت جريدة وادي ميزاب مدة 27 شهراً و05 أسابيع، وصدر منها 119 عدداً، لم تخرج عن تلك الأهداف التي رسمتها في افتتاحية عددها الأول، حيث جاء قرار تعطيلها من وزارة الداخلية الفرنسية يوم 18 جانفي 1929 وتعطيل كل ما يصدر باسم أبي اليقظان سواءً في الجزائر أو تونس بعد أن كثرت ضدها الوشايات من الآباء البيض في ميزاب والحكام العسكريين، فكان القرار صدمةً للقراء في الجزائر وخارجها وتهاطلت على الحكومة العامة بالجزائر العرائض والاحتجاجات ضد هذا القرار، وساندت الصحف الأخرى إدارة الجريدة في مصابها وأبدت عاطفها معها مطالبةً بحرية الصحافة، وبذلك طويت صفحة من بطولات النضال الصحفي اليقظاني في الجزائر كانت قد زعزعت كبرياء دهاقنة الاستعمار باعتقادهم أنهم ملكوا الأرض والعباد إلى الأبد، إذ أن أظهرت أن هناك عزائم لا تلين أمام الصعاب والعراقيل، وأن قضايا لا تخان وتساوم بترهيب أو مكر خبيث، ولذلك لم تتوقف مسيرة أبي اليقظان في هذا الفصل، بل إنه سيشق طريقه بأساليب أخرى ومناورات سياسية أكثر ذكاءً وتلبية للغرض، مع ثبات في الموقف وإصرار على المبدإ وتحدٍ للخنوع والاستسلام.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!