جزائريات يتلقين العلاج الروحي في الماء والزيت والقصب والمصل!
بعيدا عن المفهوم الحقيقي للرقية الشرعية ظهرت ممارسات غريبة على يد أشخاص يحترفون التلاعب بهموم ومصائب الجزائريين ويستثمرون في أمراضهم النفسية والعصبية والعضوية لدرجة أن الكثيرين أصبحوا مهووسيين بكلمة الرقية والتي تتردد في كل حديث وينصح بها كل مريض أو مهموم أو فاشل في حياته المهنية والزوجية وينصح بها أيضا كل عزباء تبحث عن زوج وكل عاقر ترغب في الإنجاب وكل زوجة ترغب أن يتوقف زوجها عن شرب الخمر، فالرقية التي أصبحت أقرب إلى الشعوذة باتت ملاذ أغلب الجزائريين، يلجؤون إليها لأتفه الأسباب خوفا من العين والحسد والمس.
في كل مرة ومع “تطور” مجال الرقية يتم استحداث طرق جديدة لكسب الكثير من المال وإعطاء الرقية دفعا كما تفعل مخابر الأدوية، ففي كل مرة يتم طرح دواء جديد في السوق ويتم الترويج له وهو ما يحدث أيضا مع الرقية أو العلاج الروحي كما يسمى، وقد تنقلنا إلى بعض الأماكن حيث يمارس أشخاص “مهنة” الرقية بشتى الوسائل ويدعون معالجة أخطر الأمراض بما فيها “سوء الحظ” والنحس و”التابعة” والحسد و…إلخ.
في مكان غير لائق عبارة عن دكان صغير مليء بالرطوبة تنبعث منه رواح مختلطة من عنبر وعطور قوية لبعض العقاقير يمارس أشخاص الرقية، حيث كتبت على لافتة معلقة أعلى المحل مواقيت العمل، من الساعة الثامنة صباحا حتى منتصف النهار “الراقي حسن” وبعد صلاة الظهر حتى العصر “الراقي ابراهيم” مع ملاحظة هامة “لا نرقي في البيوت فلا تحرجونا بطلبكم فنحرجكم برفضنا وشكرا” وكان في تلك الدكان يصطف عدد كبير من النساء وفي جهة مقابلة مفصولة بستار أبيض يصطف الرجال وكان الجميع يحمل قارورة ماء معدني ينتظرون ساعات طويلة موعدهم..
كان من بين زوار الراقي سيدات ومثقفات من كل المستويات الاجتماعية من بينهم مغتربون بفرنسا وسويسرا وبلجيكا، كل واحدة تروي قصصا عن السحر والشعوذة والمس وسوء الحظ والعين، منهن سيدة متزوجة من رجل لا يهتم بها ولا ببيته وأولاده فنصحها أهلها بالرقية، وكان الراقي قد أكد لها في “الجلسة ” الماضية أنها تناولت سحرا قديما عمره سبع سنوات، فأصبح زوجها لا يراها وكان فعل السحر كجدار بينها وبينه فتحاول أن تتخلص من هذا السحر بالرقية..
أما السيدة الثانية التي تروي قصة مثيرة، قدمت رفقة والدتها وهي معلمة في الطور التحضيري مصابة بالوسواس، تقول والدتها أن ابنتها تلاحقها لعنة أو سحر، فقد تم فسخ خطوبتها سبع مرات وحاولت مرة الانتحار وتدهورت حالتها النفسية من السيء إلى الأسوأ فنصحوها بالتوجه إلى راقي في إحدى ولايات غرب الوطن وبشق الأنفس تحصلت على موعد عن طريق الوساطة وخضعت إلى “جلسات علاج” خطيرة، حيث حقنها الراقي بمصل “سيروم” مرقي في الأوعية الدموية، لأنه وحسب “تشخيصه” لحالتها فإن السحر أصابها في مجرى الدم، وبعد الرقية تعرضت إلى مضاعفات خطيرة فنصحوها براقي مشهور في ولاية البويرة تحصلت على موعد لديه بوساطة قوية من أحد المسؤولين وهكذا أصبحت تتنقل بين الرقاة طلبا “الشفاء”.
والغريب في الأمر أن كل المترددين على بيت الرقية يعتقدون بأن علاجهم على يد الرقاة، فهناك من يرقي بيته وسيارته وأولاده من الحسد، كالسيدة التي اصطحبت ابنها وهو في الرابعة من العمر تقول أنه كلما خرج إلى اللعب عاد إلى البيت ملطخا بالدماء ينزف بسبب إصابته، فمرة يصاب قرب عينه ومرة يفتح جبينه ومرة يشق رأسه بحجر ومرة تكسر نظارته.. إلى درجة أنها تعتقد أن ابنها “محسود” أو تطارده “العين” في حين أن طفلها من فئة الأطفال النشطاء وكثيري الحركة يميل إلى اللعب العنيف.
وهناك من ترقي “مجوهراتها” لأن “التابعة” تلاحقها حيث تروي إحدى السيدات أنها تفقد مجوهراتها فجأة في البيت فتضيع منها بعض القطع الثمينة من داخل علبة المجوهرات ولا تجدها، وبعد الرقية تقول أنها لم تضيع مجوهراتها.
الرقية ب”القصب”
حاولنا التقرب من الراقي الذي رفض تماما الإفصاح عن هويته للصحافة خوفا من ملاحقته من طرف رجال الأمن لأنه يعمل دون “رخصة ” ولأن نشاطه لا يزال سرا رغم أن الجميع يقصده بمن فيهم عائلات “رجال الأمن والشرطة وغيرهم” على حد قوله..
كانت داخل غرفة الرقية شابة لم يمض على زواجها سوى ثلاث سنوات متزوجة من مجند في الجيش يعمل بإحدى ولايات أقصى الجنوب وهي تقيم رفقة عائلته في العاصمة منذ زفافها، وقد أصابها نوع من المرض النفسي لأنها لم تنجب وتتعرض إلى إساءات من طرف عائلة زوجها، فقررت والدتها اصطحابها لدى الراقي لعلاجها فقال لنا الراقي الذي رفض مكوثنا في جلسة “العلاج” ورغم أنه لم يختل بالمريضة واشترط دخول والدتها وأحد إخوتها، لكنه شرح لنا باختصار طريقة العلاج مؤكدا أنه لا يلمسها بيده ويجعل ستارا بينه وبينها ثم يمسك بقصبة مجوفة يوصل طرفها الأول قرب أذنها وهي ممددة على الأرض ويقرأ آيات قرآنية في الطرف الثاني منها وبالتالي يكون قد مارس “الرقية الشرعية” على حد قوله ….لكن الراقي وبعد الانتهاء من تلاوة القران يكتب للمريضة وصفات على ورقة كراس عبارة عن أعشاب وعقاقير وعسل النحل ويطلب منها شراءهم من محل شقيقه الملتصق بمحله وهي وصفات تصل إلى غاية 12 ألف دينار وينصحها بتناول الأعشاب كأدوية مكملة لمفعول الرقية وهكذا يفعل مع جميع المرضى.
يذكر أن الرقية في الجزائر يمارسها كل من هب ودب إلى درجة أنها أصبحت هوسا فالجميع يرقي من الحسد والعين والجن والمس والوسواس وبعض التهيآت، فنجد الراقي يحل محل الطبيب أحيانا وهو ما تروجه وسائل الإعلام والفضائيات، كما تحول بعض الرقاة إلى شخصيات عامة أشهر من الأطباء والجراحين في المستشفيات الجامعية والرقية في “عياداتهم” تستلزم وساطة من مسؤولين كبار لحجز موعد للمرضى خاصة الذين يقطعون مئات الكيلومترات طلبا “للتداوي” من الأمراض النفسية والعضوية والوساوس والمس واللبس والجن وغيرها من الأمراض التي يعجز الطب أحيانا عن تشخيصها.