الجزائر
تضرر "كابل" عنابة يزلزل مدمني مواقع التواصل الاجتماعي

جزائريون تائهون ومشلولون في غياب الفايس بوك والإنترنت

الشروق أونلاين
  • 4220
  • 0
ح.م

كانت مقابلة باريس سان جيرمان أمام ريال مدريد، ضمن منافسة رابطة أبطال أوروبا سهرة الأربعاء الأخير، قد بلغت ذروتها من حيث الحماس والإثارة، عندما انقطع البث نهائيا، وحاول متابعو المباراة الذين يربطون شبكاتهم البرامجية الملتقطة لقنوات بي آن سبورت وغيرها، عبر الأنترنت، إعادة الصورة الكروية، ولكن من دون جدوى، ليتضح بعد ذلك بأن عطبا في “الكابل” البحري الذي يربط ما بين مدينتي عنابة الجزائرية ومارسيليا الفرنسية، الذي يؤمّن أكبر نسبة من الأنترنت هو السبب.

واتضح أيضا بأن العطب قد يستمر بضعة أيام، فوجد بعض الجزائريين أنفسهم من دون كرة، أدمنوها عبر الأنترنت خاصة نهار أمس السبت واليوم الأحد، حيث تجرى مختلف الدوريات الأوروبية القوية، التي يشارك فيها نجوم الخضر، مثل محرز وبراهيمي وغولام، ووجد الغالبية أنفسهم من دون أنترنت وخاصة من دون فايس بوك صار بعض الشباب والشابات لا يستطيعون العيش من دونه ولو لساعة واحدة فما بالك بعدة أيام.

وبعد أن خانهم الأنترنت لم يجد مدمنوه سوى تتبع آخر أخبار العطب والسؤال عن توقيت إصلاحه من دون السؤال إطلاقا عن أسبابه التقنية، إلى درجة أنهم تتبعوا باهتمام بالغ نهار أمس السبت، أخبار وصول باخرة التصليح الأوربية إلى مكان العطب للتسريع في إرجاع هذا السريان الذي انقطع، وقطع الكثير من الجزائريين عن العالم الخارجي، وبمن يحبونهم أو أدمنوا التواصل معهم في الداخل والخارج عبر واقع التواصل الإجتماعي المختلفة من فايسبوك وتويتر وسكايب، إذ تلقت مختلف مكاتب الشروق اليومي في مختلف ولايات الوطن، اتصالات من الجنسين وغالبيتهم من الشباب، تسأل وهي في ثورة نفسية عارمة عن موعد إصلاح العطب، من دون محاولة معرفة السبب الذي جعلهم يقضون أيام عطلة الأسبوع، بعيدا عن التواصل خاصة بالنسبة للمشتركين والذين يدفعون من أموالهم لأجل ممارسة إدمانهم الإلكتروني.

وإذا كانت مؤسسات مهنية كثيرة ومنها عالم الصحافة، قد تضررت فعلا بتذبذب هذه الخدمة، ومنها من عادت لاستعمال الفاكس وحتى الهاتف النقال والثابت لنقل المعلومة، فإن هذا الانقطاع أكد بأن بعض الجزائريين وعددهم بمئات الآلاف أدمنوا فعلا الإبحار في العالم الآخر عبر الأنترنت، وبأن مئات الآلاف أيضا قد أصبح لهم عالم افتراضي يعيشونه ولا يمكنهم العيش خارجه، والعودة إلى عالم ما قبل الأنترنت والفايس بوك، وقد التقطنا في دردشة مع بعض الثائرين وبعض الثائرات عبر الهاتف، بعض النماذج التي توحي بأن الأنترت قد حاد عن مهمته الأولى وهي التكنولوجيا، إلى قلب المجتمع وصار حياة قائمه بذاتها في السر والكتمان.

متصلة من المسيلة في الثلاثين من العمر وعازبة وماكثة بالبيت قالت بأنها كانت تعيش في فراغ قاتل، وفكرت عدة مرات في الانتحار، بين جدران غرفتها، كان شقيقها يحرمها حتى من مشاهدة المسلسلات التركية، التي تحبها إلى أن زوّدها خالها بـ“تابليت” وتمنت منذ سنتين من الإبحار في العالم الخارجي، وصارت جنتها هي غرفتها ومتعتها أن لا يسأل أحد عنها، خاصة شقيقها الذي حرمها من العالم فاستقدمت العالم إلى غرفتها على كرسيها وفي لحظات نومها على فراشها، حيث صار لها صديقات وبالتأكيد أصدقاء من كل بلاد العالم، تقول لهم ولهن ما لم تقله في حياتها، هذه الآنسة أكدت لنا بأنها لم تتحدث في الهاتف منذ أشهر. ولكن عندما تبخر الأنترنت عن عالمها وقطعها عنه، وجدت مفرها الوحيد هو السؤال والاتصال بالشروق اليومي، بينما يعترف رسيم من العاصمة، وهو شاب في العشرين من العمر، بأن الأصدقاء والصديقات الافتراضيين الذين يتصل بهم يوميا، أكثر عددا وأهم من أصدقاء الواقع، ويقول بقناعة بأن الكذب في العالم الافتراضي لا يجرح مثل الكذب الواقعي، لأجل ذلك سمى نفسه في اليومين الأخيرين بالمشلول، الذي لا يستطيع الحركة من دون فايسبوك، وقال بأنه سيعوض نفسه بمجرد أن يعود التدفق إلى سابق عهده، لأجل النهم من الفايس بوك بقضاء ليلة بيضاء في الإبحار وتبادل التحيات والأشواق وأشياء أخرى، مع الذين تعوّد تجاذب معهم أطراف الأحاسيس المزيفة.

وفي المقابل هناك من رأى في انقطاع الفايسبوك خير وموعد للراحة، ضمن عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، بدليل أن بعض الشباب من الذين انقطعوا عن أصدقائهم عادوا إلى المقاهي يومي الجمعة والسبت، وعادت البنات للعمل المنزلي، وهن اللواتي عشن في عالم آخر، لعدة أشهر خاصة المدمنات من اللائي لا يتنفسن غير الدردشة التي تبدأ مع الفجر ولا تنتهي إلى في غياهب الليل.

 وتأكدنا من دردشتنا مع بعض الشباب والشابات بأن غالبيتهم لا صداقة لهم إلا ما توفّر في الفايسبوك، ولا ثقافة لهم إلا ما تمنحهم المواقع الإلكترونية، منها يتسلون بالنكت العابرة للقارات، ومنها يبحثون عن التسلية ومنها يأخذون مقرراتهم الدراسية بالنسبة لمختلف الطلبة والتلاميذ، ومنها تأخذ بعض النسوة وصفات الأكلات التي تقدمها لأهلها وحتى الفتاوى والتفقه في الدين صار منبعه الأول ما هو موجود في الأنترنت، أما عن الفايسبوك فالحكاية أكبر.

يذكر أن الجزائر تتزوّد بالأنترنت عبر أوروبا بكابلين، أحدهما قادم من أليكانت الإسبانية، يعطي 10 ٪ من نسبة التدفق بينما الكابل المتضرر القادم من فرنسا يأخذ مالا يقل عن 90 ٪، لأجل ذلك جاء الضرر بشكل شبه عام، وجاء زمن الضرر طويلا، ودفع الفايسبوكيون من أعصابهم الكثير، ولم يجدوا سوى الهواتف النقالة التي كانت وسيلة اتصال وحيدة في سنوات ماضية، لأجل أن يواصلوا إدمانهم في عالم الخيال الافتراضي.

مقالات ذات صلة