الجزائر
نصف قرن من فوضى الأسماء في الجزائر

جزائريون يحملون أسماء محرمة ويتجنبون أسماء أنبياء وأحفاد خاتم الأنبياء

الشروق أونلاين
  • 40288
  • 14

إذا كان لغالبية الجزائريين بعض الأعذار، وهم يحملون وعائلاتهم ألقابا مُهينة لهم، وبعضها مسيئة للإسلام، بحجّة أن غالبيتها من اقتراح المستعمر، فإن كل الحجج تسقط في الأسماء المتداولة لدى الجزائريين، حيث يمتلك الوالدان مُتسعا من الوقت، قد يصل إلى تسعة أشهر، ومتسعا للبحث بين عشرات الآلاف من الأسماء، لأجل أن يختار لابنه اسما حسنا.

وعرفت الأسماء منذ استقلال الجزائر تطورا كبيرا، بعد أن كانت منحصرة بين جميلة وعائشة وفاطمة الزهراء بالنسبة للنساء، وعبد الله وعمر ومحمد بالنسبة للرجال في عهد الاستعمار، ورغم هبوب نسائم الصحوة الإسلامية، وتفقه الجزائريين وقراءاتهم للسيرة العطرة للنبي صلى الله عليه وسلم، وسيرة صحابته، إلا أن الأسماء بقيت عرضة لزلازل “الموضات” الفنية وما هو قادم من وراء البحار، بما تحمله العواصف المسيحية، ويحفظ كل الجزائريين الأحاديث الشريفة التي تطالبهم بأن يحسنوا إطلاق الأسماء على أبنائهم وبناتهم، وتحذرهم من منح أسماء غريبة ومسيئة أو محرمة، إلا أن أخطاء كثيرة في حق الأبناء تقع في الكثير من المدن، وهي الفجوة التي استغلها المجرمون وحتى الإرهابيون الذين صاروا يتسمّون بأسماء كبار الصحابة، والأنبياء والرسل التي تركها المواطنون، وتردّد صحف عالمية في عمليات الإجرام والإرهاب الكبرى أسماء صحابة كبار، مثل معاذ والقعقاع، وكأنها أسماء وحوش بشرية لتخويف الناس  .

وكانت أمريكا قد منعت الساكنين في الولايات المتحدة إطلاق إسم أسامة، على أساس أنه اسم إرهابي، رغم أن التاريخ الإسلامي يسجل اسم أسامة، كواحد من أكبر قادة الإسلام، وعن النظرة المستقبلية الاستشرافية لخاتم الأنبياء والمرسلين الذي وثق في الشباب، فمنح الصحابي الشاب أسامة بن زيد قيادة جيش المسلمين للانطلاق في فتح الشام وبلاد الروم، ولم يكن عمره قد بلغ الثامنة عشرة، وعندما توفي الرسول صلى الله عليه وسلم، منح الصديق أبو بكر قيادة الجيوش للشاب أسامة، الذي شارك في حروب الردة، التي أكملت بناء الدولة الإسلامية الفتية، ورغم القائمة التي يقال إنها موجودة في كل البلديات، تمنع تداول بعض الأسماء الممنوعة، والتي لا علاقة لها بالمجتمع الجزائري، إلا أن الكثير من التجاوزات تقع، والمسؤول عنها هم المواطنون، إلى درجة أن عشرات الآلاف وربما مئات الآلاف من الجزائريين والجزائريات لا يعرفون معنى أسمائهم، وهناك من يطلقون على أبنائهم أسماء دون أن يعرفوا معانيها .

 وتوجد أسماء، رغم معانيها الجميلة وكونها لصحابة أجلاء، إلا أن أخطاء تاريخية وأحيانا لغوية أسقطتها من قواميس التعامل، مثل اسم عكرمة، وهو أحد أبطال الإسلام، من الذين ظلمهم التاريخ، لأنه ابن أبي جهل، فإذا كان التاريخ الإسلامي يرفض ذكر مشرك قريش عمرو بن هشام المكنى بأبي الحكم باسم آخر، إلا الذي أطلقه عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو أبو جهل، فإن التصاق اسم الأب بابنه الصحابي والشهيد عكرمة، ظلم لأحد الأبطال الكبار، الذين ساهموا في فتح بلاد الشام عندما تحوّلت معركة اليرموك الفاصلة بين المسلمين (وكانوا دون الثلاثين ألف مقاتل، والروم، وكان تعدادهم قد تجاوز المئتين وخمسين ألف مقاتل) لصالح الروم، فقتل الكثيرون، وبدأ المسلمون في الهروب، وحينها وقف عكرمة وهو اسم غير موجود في شهادات ميلاد الجزائريين، وصاح صيحته الخالدة لمن يبايعه على الشهادة، وذكّر بأنه حارب رسول الله عندما كان مع المشركين، والآن يولّي هاربا!! وهي الصيحة التي هزّت المسلمين وعادوا لمبايعته على الشهادة، فقاتل عكرمة حتى قيل إن الملائكة دعمته، وحقق المسلمون نصرا كبيرا قهروا به وأزالوا إمبراطورية الروم نهائيا، وفتحوا الشام وفلسطين وغيرها من الأمصار، وهو نفس ما حدث مع اسم صفوان، الذي كان بطلا في الفتوحات الإسلامية، وذنبه الوحيد أنه ابن أمية بن خلف، أحد كبار مشركي قريش، في الوقت الذي أخذ الإرهابيون من هاته الأسماء وألصقوها بأفعالهم الباطلة.

ودون علم بعض الجزائريين، فإنهم يلجأون إلى أسماء اتفق الفقهاء على حرمتها، مثل التي تخصّ الخالق عزّ وجل، مثل جبار أو رزاق، لأنه لا رزاق ولا جبار سوى الله، كما اعتبروا بعض الأسماء مكروهة، مثل التي يأخذونها من فنانات وراقصات، مثل هيفاء ورازان وإليسا، لأن الفاعل الذي يطلق على ابنته اسما قد ترفضه في كبرها، يكون قد أذنب في حق ابنته بتشبيهها براقصة أو ممثلة مشهورة بالخلاعة.

وإذا كان الإمام ابن تيمية يكره تسميته بتقي الدين، ويرى أن الاسم يُحمّله أثقالا، وينصح الأتراك تفادي إطلاق اسم محمد على مواليدهم، لأنه لا يوجد من هو في مستوى خاتم الأنبياء والمرسلين، وسجون البلاد الإسلامية مليئة بمجرمين وسفاحين ولصوص ومحتالين يحملون اسم محمد، فإن فقهاء كبارا نصحوا بتفادي أسماء مُركّبة على الحق والإسلام والدين، مثل ناصر الدين ونور الإسلام وضياء الحق، لأنه يُحتمل أن يكون حامل هذا الاسم غير ناصر للدين، بل يكون ناصرا للكفر أو عدوا للحق وكارها ومحاربا للإسلام، كما ينصحون بتفادي التسمي بسور إسلامية كريمة مقدسة مثل يس أو طه.

والغريب أن الفتنة التي أحرقت الخيط الرابط بين الشيعة وأهل السنة في السنوات الأخيرة، طالت الأسماء أيضا، فلا يوجد شيعي ولو كان عربيا في العراق أو في لبنان يطلق على أبنائه أسماء صحابة لم يشاركوا حتى في معركتي صفين والجمل، مثل مصعب وسعد مثلا، ويرفض سنيون ومنهم جزائريون إطلاق أسماء يُقال إنها شيعية، مثل كاظم والباقر، وهي في حقيقتها لأحفاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغير مرتبطة بالبدع التي يقوم بها بعض الشيعة، والمؤلم أن هؤلاء، ومنهم بالخصوص الإمام جعفر الصادق من كبار علماء الإسلام، الذين أخذ عنهم  أبو حنيفة وغيره من كبار علماء المسلمين، ويتم تجاهل علمهم الآن بعد أن تبناهم الشيعة وعصموهم من الخطأ، فرفض أهل السنة أسماءهم وعلمهم.

الملاحظة المثيرة، أن كل الذين اعتنقوا الدين الإسلامي في العصر الحديث، قاموا بتغيير أسمائهم، ومنهم من لجأ لمصالح الشؤون المدنية، مثل الملاكم الأمريكي كلاي، الذي تحوّل إلى محمد علي، رغم أن بعض العلماء يطالب بالإبقاء على نفس الاسم حتى يصل الإسلام إلى كل الأجناس، ودليلهم ما حدث في فجر الإسلام، حيث حافظ المسلمون على أسمائهم، كما فعل الأسود بلال وهو الحبشي، وسلمان وهو فارسي، وصهيب وهو رومي، ولم يطلب الرسول صلى الله عليه وسلم من الزوجة ما قبل الأخيرة التي تزوّج منها وهي قبطية، السيدة مارية أن تغيّر اسمها، كما لم يطلب من كبار المشركين الذين اشتهروا بحربهم للإسلام، مثل خالد بن الوليد بن المغيرة أو أبو سفيان بن حرب تغيير أسمائهم، وحافظوا عليها من دون أي حرج، فالاسم كان دائما إطارا للب المسلم، ولكنه إطار جميل يحمل الكثير من التاريخ ومن الافتخار بحامله.

وتوجد المئات من الأسماء الإسلامية الجميلة التي تحمل معاني الشهامة والكرم وهي لكبار الإسلام، ولكنها غائبة نهائيا من أسماء الجزائريين، مثل الأرقم والبراء والمثنى ورافع وجابر والمنذر وصهيب وشرحبيل، بينما نجد أسماء كثيرة تحمل معاني مشوهة ولا معنى لها، نفضل عدم ذكرها حتى لا نحرج أصحابها، ويبقى المؤلم أن الجزائريين يتفادون اسم لوط النبي العظيم، الذي عاش أكبر ابتلاء، بسبب خطأ لغوي راح يُلصق أشنع الأفعال باسم النبي الصادق لوط وليس بقومه الفساق!!

 

مقالات ذات صلة