جزائريون يرفضون فكرة الاعتماد على عاملات المنازل
في الوقت الذي أصبحت فيه “خادمة المنزل” فردا ضروريا ولا يمكن الاستغناء عنه في العديد من الأسر العربية سيما في بلدان الخليج، مازال معظم الجزائريين يرفضون الأمر ويعتبرونه خرقا لنظام الأسرة الجزائرية وتقاليدها الأصيلة التي تفرض على نساء البيت مسؤولية تسيير وتدبير شؤونه وخدمة أفراده.
ويعتبر رفض الاعتماد على “عاملة أو معينة منزلية” القاسم المشترك بين أغلبية الجزائريين، مهما تعدّدت الظروف وتباينت مستويات المعيشة، حتى بين الأسر الميسورة، وتلك التي يضطر فيها الزوجان إلى مغادرة البيت لساعات طويلة من أجل العمل عدد قليل منها فقط تعتمد على خادمة مقارنة مع من يرفضون ذلك، وهو ما رصدناه من خلال هذه التصريحات والمواقف.
أنا ملكته وخادمته
اِلتقينا بالسيدة توبة وهي زوجة صائغ ثري جدا، تعيش في منزل فخم، وأم لثلاث ذكور وابنة وحيدة، سألناها إن كانت تملك خادمة منزل فكان هذا جوابها: “لا أملك خادمة ولم أفكر ولو للحظة واحدة في استقدام من تعينني في أشغال المنزل، ورغم تعدد مهامي خاصة عندما كان أبنائي صغارا وعزومات زوجي لأصحابه التي لا تنتهي، فضلت أن أتولى كل شؤون بيتي بنفسي، أنظفه وأرتّبه وأضع ديكوره كما أرتاح، وأنا التي أطبخ الطعام على ذوقي وذوق أبنائي وزوجي، فبيتي مملكتي وأنا ملكته وخادمته ولا أجدني في حاجة إلى خادمة”.
ورغم ثرائها ترفض السيدة توبة أن تعيش حياة البذخ والدّلال والأمر والنهي مع غيرها، وتفضل أن تكون ربة بيت كغيرها من نساء المجتمع الجزائري، وتبرر رفضها للخادمة بقولها: “أي صفة أكون أنا وما وظيفتي في هذه الحياة إن سلّمت مهام بيتي لامرأة غيري؟”.
لا أثق في الغرباء
وإن كانت محدثتنا الأولى ماكثة في البيت وتفضّل أن تتولى بنفسها أعماله ومتاعبه، فمحدّثتنا أم ميسون ترفض ذلك رغم أن ظروفها صعبة للغاية، فهي تشتغل مع زوجها في ثانوية بعيدة عن المنزل، ويضطران لمغادرة البيت بشكل يومي تقريبا من الصباح إلى المساء، تاركين طفلتيهما لدى إحدى الجارات، مع ذلك لم يفكرا أبدا في أمر إحضار مربّية أو خادمة للبيت، حيث تقول السيدة: “أفضّل التّعب المضاعف على إحضار امرأة غريبة إلى بيتي، نحن في زمن يحتّم علينا الحذر، وعدم وضع الثقة في أي شخص غريب، فأنا لي ابنتين صغيرتين ولولا أن جارتي أعرفها منذ سنوات وهي بمثابة أم لي لم أكن لأترك معها طفلتي، فكيف أستطيع أن أتركهما مع خادمة أجنبية ! هذا غير معقول”.
أرفض الاستغلال البشري
أما الدكتورة زينب فرغم كونها لا تعارض فكرة اعتماد العائلات الميسورة أو النساء العاملات على معينات أو مربيات في بيوتهن، إلا أنّها هي شخصيا ترفض الموضوع لسبب مختلف نابع من نظرتها الإنسانية الرافضة لأي شكل من أشكال الاستغلال البشري وتعبّر عن ذلك بقولها: “لا عيب في أن تشتغل امرأة محتاجة في بيت يحترمها ويقدّر ظروفها، لكن شخصيا لا أستطيع أن أحضر من تخدمني، أيّ امرأة ترضى لنفسها أن تعمل خادمة في البيوت هي بلا شك تعيش حياة قاسية جدا، ومهما اجتهدت في معاملتها بإحسان وطيبة لن أستطيع التغلب على إحساسي بأنني أستغل وضعها وحاجتها، كما لا أستطيع أن أخلّصها من إحساسها بالحزن وهي تشتغل خادمة لدى غيرها”.
ولم يختلف موقف الرجال من الموضوع حيث اتفقوا على رفض فكرة إحضار خادمات للبيوت خاصة من خارج الوطن، واعتبروه مفسدة للمجتمع الجزائري، ولنساء العصر اللواتي أصبحن على حدّ تعبيرهم يقلّدن ما يشاهدنه في المسلسلات، ويتخلين شيئا فشيئا عن مسؤولياتهن. وعن هذا يعبّر أحدهم بغضب قائلا: “الفراغ أصل كل الآفات، فالمرأة التي تجد خادمة تنوب عليها في كل أعمال المنزل، وفي تربية الأبناء ماذا ستفعل هي طوال اليوم يا ترى؟ تحفظ القرآن مثلا؟ بالطبع ستقضي ساعات يومها في الدردشات التليفيونية والفايسبوكية أو في الخرجات”
أسباب الرفض
وتعزو الأستاذة صونيا سدراتي ( أخصائية في علم الاجتماع) سبب رفض العديد من الأسر الجزائرية الميسورة اعتمادها على خادمات سواء من داخل أو من خارج الوطن، إلى الذهنية الجزائرية المحافظة على تقاليدها وأصولها والرافضة لهذا النوع من العمالة الذي يلمسون فيه نوعا من التمييز والإهانة للمرأة، تقول الأستاذة: “رغم كل التغييرات التي أملاها العصر، وخروج المرأة الى العمل، مازالت الأسرة الجزائرية متمسكة بتقاليدها، حيث تفضل المرأة أن تتولى مهام بيتها بنفسها، فكثيرات هنّ النساء اللواتي يرفضن المساعدة حتى من أزواجهم أو أبنائهم الذّكور ويعتبرون عمل البيت مسؤوليتهن وحدهن، لذلك آخر ما يمكن أن يفكّرن فيه هو إحضار خادمات غريبات. كما أننا نحن الجزائريون، مازال لدينا نوع من التواضع في هذا الجانب بالذات، فكما نرفض نحن من يذلنا ويتأمّر علينا بالمقابل نفرض أن نمارس هذه الأفعال على غيرنا”.
يذكر أن ظاهرة استقدام عاملات ومربيات أطفال أجنبيات، باتت من أبرز وأخطر الظواهر في بعض المجتمعات العربية، بسبب المشاكل التي تحدث بين أحد أفراد البيت والخادمة، حيث كثيرا ما تتعرض هذه الأخيرة إلى مختلف أنواع الظلم كالإهانات والتحرش والاغتصاب وحرمانها من مستحقاتها المالية، وتدفعها الضغوطات للانتقام بطرق رهيبة كضرب الأطفال أو قتلهم، أو السرقة والفرار، أو تختار الانتحار مما يورط الأسر في متابعات قانونية ومتاعب كبيرة.