“جسر الحب” بتيلملي.. ظاهرة دخيلة على حياة الجزائريين
هل حقيقةً أن “جسر تيلملي” هو مكان اختاره العشاق، ليشهد على علاقة جمعت بين عاشقيْن، وزادتها متانة “قفل” تم إغلاقه بإحكام ليكون حارسا على حبهما، أم أنه جسرٌ اختاره دجّالون، ووضعوا فيه أقفالا مغلقة، مُغلقين به أبواب الأمل في وجه أشخاص من ضحايا السّحر؟ وبين رافض لفتح الأقفال ومؤيد لذلك، تحولت الواقعة الغريبة إلى موضوع ناقشه مواطنون وأساتذة وشعراء وحتى رجال السياسة، وتشعّبت عنه مواضيع غاية في الأهمية.
الحادثة التي عاشتها منطقة تيلملي بالعاصمة مؤخرا، والمتمثلة في عثور شبان على أقفال كثيرة مختلفة الأحجام، مُعلّقة ومُغلقة بأحد الجسور، لا تزال تطرح العديد من علامات الاستفهام، وألهبت مواقع التواصل الاجتماعي بتعليقات ونقاشات؛ فبين مؤيد لإقدام المواطنين على فتح تلك الأقفال، بمبرر أنها من أعمال الشعوذة التي تؤدي إلى “ربط” شخص معين و”غلق” حياته المستقبلية، وبين رافض للأمر، بحجة أن بعض العشاق الجزائريين، وللتعبير عن حبهم لا غير، وضعوا قفلا على الجسر ودوّنوا عليه اسم المحبوب، اعترافا بمكانته في حياته، وهو تقليد نراه بكثرة في المسلسلات التركية، حيث يختار العشاق شجرة معينة، يعلقون عليها مناديلهم تعبيرا عن حبهم.
غير أن التفسير الأول يبقى أقرب إلى المنطق، لأن القفل بالجزائر يرتبط دائما بأعمال السّحر، كما أن علاقات الجزائريين الخاصة تبقى طيّ الكتمان، فكيف لمجموعة كبيرة من العشاق أن تتفق على مكان معين وتجعله ملجأ يجمعهم؟!
لكن المُفيد في الموضوع، أن الواقعة لفتت انتباه الجزائريين إلى مواضيع أخرى جد مهمة، فتحدّث بعض الأساتذة والمختصين وحتى الأئمة وعبر منابر مختلفة، عن الوجود الفعلي للحب داخل العائلة الجزائرية؛ فأحد الشعراء والكتاب الجزائريين، والذي استغرب في تعليق له على الفايسبوك، ربط جميع ما يحدث للأشخاص بظاهرة الشعوذة، متسائلا “لماذا لا نفسر الظواهر في سياق ايجابي، ولماذا لا نؤمن بوجود حب في مجتمعنا، خاصة الحب العفيف للأم، الزوجة، الأخت، والأولاد؟.” ووجه سؤالا مهما للجزائريين مفاده “هل تستطيع قول كلمة أحبك لوالدتك؟”.
هو سؤال مهم جدا، فكثير من الجزائريين يحلم بترديد هذه الكلمة صباحا مساءً على مسامع والديه، لكن عاداتنا وطريقة نشأتنا تعيقنا عن ذلك، ونبرر الأمر أن الأفعال خير دليل على الحب، والتبرير خاطئ حسب مختصين، فقول كلمة أحبك للوالدة واحتضانها، سيفرحها أيما فرح، وسيشرح قلبها. وكم من شخص فقد والدته أو والده وهو الآن يعيش حالة من الاشتياق الكبير إليهما، والندم لأنه لم يحتضنهما يوما ويشبع من حنانهما. وكم من ابن، خاصة المتزوجين “يُعادون” والديهما ولا يتحدثون إليهما، بسبب خلافات تافهة، ليتفاجؤوا يوما بخبر وفاة أحدهما، دون أن يطلبوا منه حتى العفو، وهو أمر رهيب حقا وعذاب دنيوي، فرغم أن غالبية الجزائريين يحفظون وعن ظهر قلب، آيات القرآن الكريم التي تحث على طاعة الوالدين والإحسان إليهما، إلا أن الجفاء الكبير طبَع علاقات الأبناء وآبائهم في السنوات الأخيرة، ووصلت جرأة بعضهم إلى حدّ ضرب والديهما وطردهما من المنزل.
ومن التعليقات المؤثرة حول الموضوع، تعليق سيدة جزائرية متزوجة وأم لثلاثة أبناء، والدتها توفيت منذ 5 سنوات تقول “غابت عني السعادة منذ وفاتها، في حياتها كنت أسارع لإسعادها وتوفير لها ما تتمناه، لكني لم أجرؤ يوما على احتضانها وتقبيلها بحرارة رغم حبي الكبير لي، ويوم وفاتها ارتميت في حضنها وأشبعتها قُبلا، لكن الأوان قد فات.. هي لم تكن لتشعر بشيء فقد كانت جسدا بلا روح، ومنذ ذلك اليوم وأنا أعيش حالة من الندم، فقدتُ لذة الحياة.. وصرت أحسد كل شخص لا يزال والداه على قيد الحياة.. فهو يملك كنزا لا يقدَّر بثمن ومفتاحا من مفاتيح الجنة والسعادة في الدنيا والآخرة”.
هذا الموضوع جعل كثيرا من الشبان على اختلاف أطيافهم، ينشؤون صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، يناشدون فيها الجزائريين بالمسارعة إلى التعبير عن الحب للوالدين والتصالح معهما قبل فوات الأوان، وقول لهما كلمة “أحبك” دون تردد أو خجل.