جمعة الباءات الأربعة
الجمعة الثامنة من بدء مسيرات التغيير، كان يستشعر منها أنها ستكون بداية للعد العكسي للحراك، بناء على خيار تطبيق المادة 102 فقط والعدول عن 7 و8، وهو ما اعتبر تجاهلا لمطلب شعبي بدأ منذ ثلاث جمعات على الأقل، غير أن الرياح جرت بما لا تشتهيه السفن.
تثبيت بن صالح اعتبر من طرف الشعب والحراك والنخب كلها استفزازا صارخا لإرادة الشعب ورغبته في التخلص من رموز النظام الزائل الذي رحل رأسه وترك فينا أتباعه من حكومة هو من عينها في آخر لحطة، رفضت على الفور شعبيا، ومجالس غير منتخبة ديمقراطيا يترأسها رموز كانوا من وراء التزوير والفساد السياسي لعقود، إضافة إلى طغم مالية لا تزال سارية المفعول، بل وتسجل عودة مكشوفة إلى الساحة الإعلامية والسياسية عبر ممثليها في أحزاب السلطة من الحرس القديم المتجدد.
مؤسسة الجيش، ومن خلال بيان قيادة الأركان، حاولت أن تخفف من حجم الصدمة التي مني بها الحراك الشعبي والنخب، بأن طمأنت الشعب أنها معه وأن اللجوء إلى هذا الخيار كان بغرض تفويت الفرصة على الأعداء المتربصين بالبلد في الداخل والخارج. غير أن الشعب، لم يعد يعتبر الأمر كذلك، عن حسن نية أو سوء نية. فالشارع مختلط التوجهات وهناك بالتأكيد من يعمل لأجندات غير وطنية وانفصالية وطائفية تخدم المصالح الأجنبية وعلى رأسها العدو التاريخي، عير أن إقناع الشعب، ينبغي أن يكون بالدلائل والخطب الصريح والواضح بلا ألغاز ولا تشفير. الشعب تغير ويسبق عصر نظام الحكم من حيث التحكم في المعلومة وتفسيرها وتأويلها والبناء عليها، فيما السلطة لا تزال تخاطب الشعب بعقلية السبعينات: نحن نقول وانتم تسمعون وتصدقون ما نقول. الأبوية تغيرت مع هذا الجيل. أبناؤنا حتى في البيت لم يعودوا يسمعوننا أو يقتنعوا بالكلام والغزل العذري والكلام المعسول والعاطفي الذاتي الرومنسي، إنهم صاروا ماديين وعقلانيين أكثر مما نتصور: شد، مد. أعطني ما طلبت أصدقك. صارحني أسمعك. لا يسمع كلاما أدبيا أو خطابا بدون دلائل مادية. الشعب وخاصة الشباب صار براغماتيا أكثر مما تتصوره السلطة. لهذا، على السلطة أن تعمل على مخاطبة الشعب بكل صراحة وبالتفاصيل التي يخشى عليها أن تكشف، لأن كل شيء صار مكشوفا، والسكوت عنه يعني نشر عدم الثقة وبالتالي عدم استماع الشارع للخطاب الرسمي.
لاشك أن مؤسسة الجيش هي المؤسسة الوحيدة التي لا يزال الشعب يثق فيها، لهذا عليها أن تكون أكثر شفافية في موضوع تنازلها عن مطلب 7 و8. ما هي المعيقات؟ مع هي الضغوطات؟ هل أن شعبا ثائرا بأكمله لا يمكن أن يعتمد عليه الجيش في حسم الموقف أمام الرأي العام الدولي الذي نخشاه؟ هل نخشى فرنسا ولا نخشى الشعب؟ هل يجب علي الشعب أن يضحي دائما ولا نضحي بأربعة أو عشرة أو حتى بألف من العصابة وأزلام الفساد؟ هذه تساؤلات الشارع البريء. لا نقول أن كل الشارع بريء، فهناك قوى بالتأكيد تجر الشعب غير الفاهم وغير العارف، وهم كثر وبالملايين، نحو أجندات وراية غير راية نوفمبر والشهداء، ولكن هذا الشعب يريد أن يفهم ونكون معه صرحاء لنربح ثقته، ولا نبقيها على ثقة مشوبة بالحذر. وهذا واقع اليوم: ثقة حذرة، لأن المؤمن لا يلدغ من الجحر مرتين.