الرأي

جنون…!

محمد سليم قلالة
  • 1538
  • 4

أفضلنا اليوم، والأقدر على إبقائنا متمسِّكين ببعض الأمل، هم أولئك الذين مازال بإمكانهم تفادي الكثير من مظاهر الجنون التي أصبحت تزحف على مجتمعنا.. مِن جنون العقل إلى جنون الأسعار، مرورا بجنون القوة والعظمة والمال والسلطة، دون نسيان جنون سياقة السيارات…
وعلينا أن نُنَوِّه بهؤلاء بدل أن نقع في جنون وصف الجميع بالجنون.. علينا أن ننظر إلى تلك الغالبية من الناس التي مازالت، رغم كل ضغوط الحياة، تحافظ على هدوئها ورصانتها.. أن نستثمر فيها ونمنع عنها آثار موجة الجنون، بدل بقائنا مُلتَفِتين فقط إلى مَن هم في واقع الأمر مرضى المجتمع والمنحرفين والمجرمين.
إننا نكاد نسلك الطريق الخطأ في التربية وعلاج الآفات بما نزرع في الناس من خوفٍ ورعب وحديث عن نهاية الخير وانتصار الشر عليه.
صحيح إننا بحاجة إلى إدانة الجريمة، والتنديد بكل جنون مهما كان مصدره، ومِن واجبنا أن نقف إلى جانب مصالح العدالة والأمن بمختلف فروعه لمواجهة التفاقم المستمرّ لهذه الآفات، وعلى باحثينا في مختلف التخصصات البحث عن الأسباب والمسببات واقتراح أشكال العلاج المختلفة، ولكن كل هذا ينبغي ألا يمنعنا من الإشادة بمختلف المظاهر السليمة في مجتمعنا، وبالغالبية الساحقة من المجتمع التي مازالت متمسكة بقيم الأخلاق والتربية الحسنة وتمتنع عن ركوب موجة الجنون مهما كانت. لا جنون عقل ولا جنون سلطة ومال…
أليس من واجبنا أن نحَدِّث بالكثير من مظاهر التآخي والتعاون والتآزر والابتعاد عن “الجنون” في هذا الشهر الفضيل، بدل أن يكون موضوعنا الأول والأخير هو الجرائم والتحايل والجشع والطمع والنفاق؟ أليس من واجبنا الإشارة إلى الغالبية من الفقراء المتعففين، والتجار النزهاء، والساقة الهادئين، والدعاة إلى الحكمة وتحكيم العقل في أكثر من موقع وبالنسبة لأكثر من واقعة بما في ذلك تلك المتعلقة بجنون السلطة والمال والعظمة؟
كم من برنامج إعلامي خُصِّص لهؤلاء؟ وكم من مكافأة خُصِّصت للنزهاء في جميع الميادين على حساب اللصوص والمنافقين والمجرمين والممارسين للعنف بمختلف أشكاله؟
إننا بحق في حاجة إلى مراجعة أنفسنا في هذا الجانب، وطرح أكثر من سؤال عن منهجية تعاملنا مع المجتمع؟ وعن السياسة الإعلامية المُتَّبَعة في ذلك؟ وهل نحن بصدد المساهمة في علاج هذا المجتمع عندما نُبرز وبشكل مُثير ومُبالغ فيه أحيانا كثيرا من مظاهر الجنون التي يعرفها؟ أم نحن بصدد إلحاق الضرر بأنفسنا من حيث لا ندري وتقديم خدمة مجانية لمحترفي الجنون لتبرير جرائمهم وطبائعهم الشاذة مادام المرض لا يخصُّهم وحدهم، بل هو آفة عمَّت كل المجتمع وهم ليسوا سوى ضحايا؟
أليس أفضل تبرير لكل مَن مَسَّهم نوعٌ من الجنون أنهم يعيشون في مجتمع مجنون؟
هل مِن صناعة الأمل في شيء، أن نُعينهم على ذلك؟

مقالات ذات صلة