الرأي

“جنى الجنتين”

كلما حل شهر ربيع الأنوار، شهر مولد رسول الله –صلى الله عليه وسلم– تقوم “حرب” كلامية بين المجيزين للاحتفال بمولده –عليه الصلاة والسلام– وبين من يرون ذلك “بدعة”، هي وصاحبها في النار، وقد وصل الأمر –منذ سنتين– إلى قتل إمام في مسجد بإحدى مدن الشرق الجزائري، لأنه أجاز الاحتفال بذكرى ميلاد رسول الله – صلى الله عليه وسلم- بل إن بعض “المتشددين” – سامحهم الله– “بدَّعوا”، ناصرَ السنة ومُحييها في الجزائر المعاصرة، الإمام المرتضى عبد الحميد ابن باديس، لأنه كان يجيز ذلك ويفعله… ومعلومٌ أن نشيده الخالد “شعب الجزائر مسلم” ارتجله في إحدى ليالي المولد النبوي الشريف.

كنتُ قرأت أن واحدا من علماء الجزائر، بل من كبار علماء الأمة الإسلامية، كتب كتابا قارن فيه بين ليلة مولد رسول الله –صلى الله عليه وسلم– وبين ليلة مبعثه… وأي الليلتين أشرف وأفضل؟ وقد انتهى إلى أن أولاهما أشرف وأفضل، لأنه لولا الأولى لما كانت الثانية.. وقد سمَّى ذلك العالم كتابه “جنى الجنتين في شرف الليلتين”… واسم ذلك العالم هو أبو عبد الله محمد بن أحمد ابن مرزوق التلمساني. 

وكنت أظن أن هذا الكتاب ضاع، كما ضاع كثيرٌ من تراث أسلافنا الجزائريين، برغم ما أورده منه الإمام أحمد بن يحيى الونشريسي (ت 1508) في كتابه “المعيار المعرب، والجامع المغرب، عن فتاوى علماء افريقية (*) والأندلس والمغرب”. 

وكنت في دروسي “الربيعية” كثيرا ما أذكر هذا الكتاب، وأشيد به وبصاحبه، اعتمادا على قيمة صاحبه الذي خطب على ما يزيد عن خمسين منبرا شرقا وغربا، حتى لقب بـ”الخطيب”. 

وفي معرض الكتاب، لهذه السنة (2016)، وقعت عيناي في أحد الأجنحة على كتاب “جنى الجنتين في شرق الليلتين”، وكدتُ أطير فرحا بذلك… خاصة أن الكتاب محقق ومسبوق بدراسة، ولكن فرحتي انقلبت إلى تعاسة نفس، وانقباض قلب، وضيق صدر، عندما أخبرتني الأخت المشرفة على ذلك الجناح بأن الكتاب للعرض فقط… ولم تفلح “توسُّلاتي” في الحصول على الكتاب.. وفتح باب الأمل في الحصول على الكتاب عندما طلبت مني تلك الأخت الفاضلة أن أكتب اسمي ورقم هاتفي ضمن قائمة كانت أمامها، يرغب أصحابُها في الحصول على الكتاب… فسجَّلت اسمي ورقم هاتفي، وأنا شبه متأكد أن أملي لن يتحقق وكان معي الأخ الدكتور عبد المالك بوعمرة، فصوَّر بهاتفه غلاف الكتاب للسعي للحصول عليه من تأشيرة “دار الضياء” بالكويت أو في غيرها…

بعد انتهاء المعرض بحوالي أسبوعين، رنَّ هاتفي، وكانت البشرى، حيث أخبرتني الأخت الفاضلة – بعدما عرَّفت بنفسها – أنني يمكنني الحصول على الكتاب، وطلبت منها أن تتكرَّم وتتركه لي في مقرِّ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين… وأنا أغتنم هذه الفرصة لأشكر هذه السيدة الفاضلة، وأدعو الله –عز وجل– أن يكرمها، ويجزها الجزاء الأوفى على هذه الهدية الثمينة. 

إن صاحب هذا الكتاب –ابن مرزوق- هو من مفاخر الجزائر، بل هو “فخر المغرب على المشرق”، كما قال لسان الدين ابن الخطيب الأندلسي.

ولد محمد أحمد بن محمد… ابن مرزوق العجيسي التلمساني في عام 711 للهجرة، في أسرة سارت بذكرها الركبان، وامتلأت بأخبارها الطروس، لِما أنجبت من العلماء، جعل المؤلف نفسه يسطر كتابا عنوانه “المناقب المرزوقية”.

تعلَّم ابن مرزوق – المعروف بـ”الخطيب” و”الجد” و”الرئيس” – مبادئ علوم عصره في مسقط رأسه، وأشهر من أخذ عنهم محمد الآبلي، وابني الإمام عبد الرحمن وعيسى.. ثم تنقَّل بين حواضر العلم في بجاية، وتونس، والإسكندرية، والقاهرة، ودمشق، ومكة، والقدس، والمدينة المنورة، وقد أحصت المستشرقة الإسبانية ماريا خيسوس بيغيرا خمسة وتسعين (95) من شيوخ ابن مرزوق، في دراستها عن ابن مرزوق التي صدّرت بها تحقيقها لكتابه المسمى “المسند الصحيح الحسن في مآثر ومحاسن مولانا أبي الحسن” بل إن بعض الكتاب أوصل عدد شيوخ ابن مرزوق إلى ألف. وقد لفت نظري في أسماء شيوخ ابن مرزوق ورود اسميْ عالمتين هما: فاطمة بنت محمد.. ابن أيوب، وفاطمة بنت محمد.. بن إبراهيم الطبري المكِّية..

كما تتلمذ عليه كثيرٌ من الطلاب في المغرب والمشرق، ومن أشهرهم لسان الدين ابن الخطيب، وأحمد ابن قنفذ القسنطيني، وأبو القاسم البرزلي، وبرهان الدين ابن فرحون، وإبراهيم الشاطبي.. وقد وصفه تلميذُه ابن الخطيب وصفا وافيا في كتابه “الإحاطة في أخبار غرناطة”.. حيث اعتبره “من طرف دهره.. متّسع الرواية، مشارك في فنون من أصول، وفروع، وتفسير، يكتب ويشعر، ويقيِّد ويؤلف فلا يعدو السداد في ذلك، فارس منبر، غير جزوع ولا هيَّاب” وقد ذكر ابن مرزوق أنه خطب على واحد وخمسين منبرا مشرقا ومغربا وأندلسا، ولعل ذلك هو سبب تسميته “الخطيب”.

وقد خاض ابن مرزوق في قضايا السياسة، و”عمل في بلاط ثمانية ملوك في فاس، وتلمسان، وغرناطة، وتونس، والقاهرة”. (المسند الصحيح الحسن.. ص30)، فيرفع أحيانا مكانا عليّا، واحتل صدارة المجالس، وهوت به أهواء السياسة في غياهب السجون أحيانا أخرى، فشكر على السراء، وصبر على البلاء والضراء، وله “مقالة في الصبر”.

توفي ابن مرزوق في القاهرة في سنة 781هـ. ودُفن بين علمين من أعلام الفقه المالكي هما الإمامان ابن القاسم وأشهب، رحم الله الجميع.

ترك ابن مرزوق الخطيب آثارا لا تتناسب مع غزارة علمه، ولعل كثرة تنقلاته ومشاغل السياسة لم تسمح له بكثرة الإنتاج.

ومن آثاره التي نُشرت:

– المسند الصحيح الحسن في مآثر ومحاسن مولانا الحسن، وقد خصصه ابن مرزوق للحديث عن السلطان أبي الحسن المريني، وقد ألفه ابن مرزوق بعد وفاة السلطان المذكور بمدة طويلة. وقد حققت هذا الكتاب المستشرقة الإسبانية ماريا خيسوس بيغيرا، ونشرته الشركة الوطنية للنشر والتوزيع (SNED).

– المناقب المرزوقية، وقد تناول فيه ابن مرزوق الحديث عن عائلته ونشأته ورحلاته، وقد اعتبره بعض الدارسين “سيرة ذاتية شاملة”، وقد حققته الأستاذة سلوى الزاهري، ونشرته وزارة الأوقاف المغربية.

– تيسير المرام في شرح عمدة الأحكام، للإمام عبد الغني المقدسي، وهذا الكتاب “تيسير المرام” هو جمعٌ بين شرح ابن دقيق العيد وشرح تاج الدين الفاكهاني لكتاب “عمدة الأحكام”، وقد أضاف ابن مرزوق ما فات الشارحين “فجاء كتابه موسوعة علمية كبيرة”. وقد طُبع جزءٌ منه بتحقيق الدكتورة سعيدة بحوث-والكتاب يقع في خمسة أجزاء.

– جنى الجنتين في شرف الليلتين، وهو من تحقيق الدكتور إبراهيم ابن الشيخ راشد المريخي ونشر دار الضياء بالكويت.

ولابن مرزوق آثار أخرى، منها ما يعتبر في حكم الضائع، ومنها ما ينتظر التحقيق والنشر ومنها:

– بوح الخفا (أو برح الخفا) في شرح الشفا، وهو شرح لكتاب “الشفا بتعريف حقوق المصطفى” للقاضي عياض السبتي وذكرت الدكتورة ماريا خيسوش أنه توجد نسخة من هذا المخطوط في مكتبة جوته بألمانيا، ويقع في خمسة مجلدات.

– شرح الأحكام الصغرى لعبد الحق الإشبيلي

– التعليق على صحيح البخاري..

وغيرها من الرسائل والشروح، والفهارس..

الذي يحزّ في النفس هو أن هذه المخطوطات أغلبها، إن لم أقل كلها، لابن مرزوق ولغيره لا توجد في الجزائر، مما يدل على قلة عنايتنا بالعلم وبالكتب – وعلى أن ملحقينا الثقافيين في سفاراتنا من “الراقدين فوق التراب”، وأن الثقافة والعلم ليس من اهتماماتهم.

 

* بعض “المتشددين” – سامحهم الله – “بدَّعوا”، ناصرَ السنة ومُحييها في الجزائر المعاصرة، الإمام المرتضى عبد الحميد ابن باديس، لأنه كان يجيز الاحتفال بالمولد النبوي الشريف ويفعله… ومعلومٌ أن نشيده الخالد “شعب الجزائر مسلم” ارتجله في إحدى ليالي المولد النبوي الشريف.

مقالات ذات صلة