“جيش العزوف”.. عقبة الديمقراطية ونُذر الخطر القادم!
مثلما كان متوقعًا، لم تتمكّن السلطة ولا المعارضة، من حشد الناخبين إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في اختيار نواب الشعب بالغرفة السفلى للبرلمان، حيث توقفت نسبة التصويت دون عتبة 40 في المائة، متراجعة بـ4 درجات مئوية، مقارنة بالاستحقاق البرلماني في 2012، مع أنّ شكوك التضخيم تلاحقها بقوّة من دعاة المقاطعة والغاضبين من نتائج الصندوق.
ومع أن معدّل 38 بالمائة المعلن، الجمعة، من قبل وزارة الداخلية والجماعات المحليّة يبقى مقبولا، ولا يثير أي حرج من الناحية الدستورية، بل يحفظ ماء وجه الانتخابات، قياسًا إلى المعايير الدوليّة في السنوات الأخيرة، لكنه يضع، من الناحية السياسية، عقبة أمام العهدة التشريعية الجديدة، ذلك أن مصداقية المؤسسة البرلمانية ستكون على المحكّ، من حيث المصداقية وحجم التمثيل الشعبي، في وقت ستكون السلطة مجبرة على الذهاب إلى إجراءات تسييرية وتدابير مالية قاسية، في مواجهة الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالخزينة العمومية.
ورغم تحسيس الأحزاب بأهمية المشاركة وتقرير المصير السياسي، مع ما رافقه من تحذير الحكومة تجاه الأخطار المحدقة بالوطن، فإنّ قرابة 15 مليون جزائري، من مجموع 23 مليونا يمثلون الهيئة الناخبة، قد رفضوا الاستجابة لنداء الانتخابات، ما يعني أن الهوّة سحيقة بين الحاكم والمحكوم من جهة، والطبقة السياسية من جهة أخرى، وهذا بقدر ما يُنمي تضاؤل مساحة الثقة بين جميع الأطراف، فإنه يشكّل نُذر خطر داهم، يلوح في أفق الاستقرار الاجتماعي والسياسي في البلاد، إذا لم يتمّ تدارك الموقف قبل فوات الأوان.
ذلك أنّ المجتمعات العصرية يؤطرها المجتمع المدني بالمفهوم العلمي، والذي يشمل الأحزاب السياسية والجمعيات على السواء، وعدم قدرة الأخيرة، بغضّ النظر عن الأسباب، على قيادة وتوجيه والتحكم في ميولات المواطنين وتشكيل الرأي العام، يعني خطر نشوب الفوضى العامّة وحالة الانفلات الاجتماعي، التي قد تتحوّل إلى قنبلة سياسية تهدد بنية الدولة وكيانها الوجودي من الأساس.
التجارب الدوليّة، قديمها وحديثها، تثبت أنّ المجتمعات السياسية تعبّر عن تطلعاتها وآمالها، وتسعى إلى تحقيق مطالبها، إمّا عن طريق المسار المدني السلمي، عبر الانتخابات التنافسية والتداول على السلطة، أو من خلال الانفجار الاجتماعي الثوري والعنفي في الغالب، إذا ما بلغ الانسداد العام أوجّه، واستبدّ اليأس من التغيير بقلوب الناس.
مهما كانت خلفيات العازفين عن الانتخاب، سواء تعلّقت بموقف سياسي واع، أو هي انعكاس لعدم الاكتراث والاهتمام بقضايا الشأن العام، فإنّ الامتناع عن التصويت يشكّل رسالة قويّة ولافتة للنظر، يجب أن تقرأها السلطة أولا، والأحزاب ثانيا، قراءة صحيحة، وتتفاعل معها في الآن وبالكيفية المطلوبة، لتفادي شظايا الألغام الموقوتة التي تحملها ثناياها.
فلا يمكن التأسيس لحياة ديمقراطية في غياب تشكيلات سياسية، ولا يُتصوّر بناء الأخيرة من دون انتخابات، بينما يستحيل تجسيد الاستحقاق بلا ناخبين، وعليه، فقد أضحى “جيش العزوف” عقبة كؤود أمام الانتقال الديمقراطي، حتّى وإن رفضنا تحميل الممتنعين عن التصويت وزر الاستقالة الجماعية للمواطنين من الحياة العامّة، بل إنّ الطبقة السياسية، سلطة ومعارضة، من مسؤوليتها القصوى إدماج هؤلاء في مسار العملية الديمقراطية.