جيل الثمانينات استفاد من امتيازات وأموال طائلة ومن يقول العكس فهو كاذب
يكشف اللاعب الدولي السابق محمود ڤندوز في الجزء الأول من هذا الحوار المطول الذي خص به “الشروق” عن العديد من الحقائق التي تتعلق بالمنتخب الوطني لفترة الثمانينات، مبرزا الأسباب الرئيسية التي أدت إلى فشل “الخضر” في التأهل إلى الدور الثاني من كأس العالم في تلك الفترة، مؤكدا أن هذا الجيل استفاد من امتيازات عديدة على عكس كل ما يقال.
كيف كانت انطلاقتك مع المنتخب الوطني؟
كانت جد موفقة، فمن أول مقابلة لي تمكنت من تسجيل أول أهدافي مع المنتخب الوطني، وكان ذلك سنة 1977 أمام المنتخب التونسي خلال لقاء العودة بالجزائر في إطار تصفيات كأس العالم 1978، إذ تعادلنا بهدف في كل شبكة وأقصينا بعد أن كنا قد انهزمنا في تونس بهدفين دون مقابل، المدرب رشيد مخلوفي أنذاك وضع ثقته في شخصي وزج بي أساسيا في أول مقابلة لي مع “الخضر”، وبكل صراحة لم أخيبه وكنت في المستوى المطلوب مني رغم أن أدائي هذا لم يشفع لنا بالفوز والتأهل إلى المونديال لأول مرة وتأجل ذلك إلى غاية 1982.
بعدها أضحيت لاعبا أساسيا في “الخضر” وشاركت في كأسي العالم 82 و86، هل لك أن تلخص لنا مشوارك الدولي باختصار؟
أنا جد سعيد بما قدمته للمنتخب الوطني وراض بشكل كبير عن مشواري كلاعب، ليس سهلا أن تتمكن من فرض نفسك في تلك الفترة التي تعد الأقوى لحد الآن في تاريخ المنتخب الوطني، خاصة وأنني لم ألعب في الفئات الصغرى للمنتخب نظرا لكوني بدأت ممارسة كرة القدم في سن 24 فقط، حيث وقعت أول عقد لي مع أكابر نصر حسين داي، الفريق الذي أعشقه وأعتز بحمل ألوانه، بعدها بعام واحد فقط التحقت بـ”الخضر” بعد تألقي في أول موسم لي بالبطولة الجزائرية ولفت أنظار المدرب مخلوفي، حقيقة أتشرف بأنني كنت اللاعب الوحيد في المنتخب خلال نهائيات كأس العالم 86 الذي شارك في تصفيات ثلاث مونديالات 78، 82، 86.. صحيح أنه لم يسعفن الحظ للتتويج بلقب مع “الخضر”، إلا أنه يكفيني فخرا أنني كنت ضمن التشكيلة التي أهلت الجزائر لأول مونديال وبلاعبين محليين وإنتاج جزائري مائة بالمائة على عكس ما هو عليه الآن، كما أننا وصلنا إلى نهائي كأس أمم إفريقيا 1980 ولولا سوء الحظ لتوجنا باللقب.. أظن أن سجلي كان حافلا بالإنجازات.
لماذا لم تبدأ ممارسة كرة القدم مبكرا، هل كنت منشغلا بالدراسة؟
لا، كما تعلمون أنا ابن مدينة الحراش.. كبرت وترعرعت في هذه المدينة، لكنني لم أكن يوما مشجعا لاتحاد الحراش، ومن صغري أحب نصر حسين داي، رغم هذا تنقلت 6 مواسم متتالية لإجراء التجارب في الاتحاد، والغريب أنه لم يتم قبولي في كل المرات، إلى غاية أن تنقلت للنصرية التي احتضنتني وعرفت فيها أزهى أيامي.
لا يمكن الحديث عن جيل الثمانينات دون المرور عن مقابلة ألمانيا، المدير الفني أنذاك رشيد مخلوفي أكد في حوار للشروق أن اللاعبين تسببوا في مشكلة كبيرة ما بين شوطي اللقاء، والبعض منهم هدد بعدم العودة لمواصلة اللعب، فما قولك في ذلك؟
مشاكل في مواجهة ألمانيا!! لا يجب تهويل الأمور والعودة إلى مقابلة مر عليها فترة طويلة.. كل ما في الأمر أن اللاعبين كانت تحدوهم رغبة كبيرة في لعب هذه المقابلة لاسيما بعد أدائنا البطولي خلال المرحلة الأولى.. الكل أيقن أن المنتخب الوطني سيحقق نتيجة تاريخية، لذا فقد أخذ الطمع ببعض اللاعبين للمشاركة كأساسيين لدخول التاريخ، وحدثت بعض المناوشات بين بعض اللاعبين، لكن تم احتواء الأزمة، لا يمكن دخول الميدان بـ22 لاعبا، صراحة لو شارك هؤلاء الذين انتفضوا وأرادوا اللعب “ذراع”، هل كنا سنتوج مثلا بكأس العالم؟.. في مونديال 82 كانت التشكيلة الوطنية كلها مشكلة من لاعبين محليين وتمكنا من جني 6 نقاط كاملة وسجلنا 5 أهداف ولولا تآمر ألمانيا والنمسا لتمكنا من تجاوز الدور الأول، لقد تمكنا من تحقيق نتائج أكثر من إيجابية.. حقيقة أنا جد مستغرب، يعني حين فزنا على بطل العالم ألمانيا هناك مشاكل والجميع يتحدث عنها، لكن مؤخرا في جنوب إفريقيا حين عدنا بصفر هدف من مشاركتنا المونديالية الثالثة لم يكن هناك مشاكل، لما كنت أتحدث في 2010 انتقدوني واتهموني بخيانة الوطن، في وقت لازالوا يتحدثون فيه عن مقابلة عمرها يفوق 30 سنة.. هذا أمر غير معقول تماما.
تتحدث عن النتائج الإيجابية المحققة، لكنكم أقصيتم في الدور الأول، ما سبب ذلك؟
اللاعبون هم الذين يتحملون المسؤولية بالدرجة الأولى، فبغض النظر عن مؤامرة العار بين ألمانيا والنمسا، نحن اللاعبين وبعد الانتصار على ألمانيا تشتت تركيزنا.. ظننا أننا فزنا بكأس العالم، لقد أصبنا بالغرور، ولم نكن جاهزين من الناحية التكتيكية في المباراة الثانية، لاسيما بعد رسائل التهنئة التي تلقيناها من مختلف أرجاء العالم.. الجميع يؤكد لحد الآن أن النتيجة كانت مفاجأة من العيار الثقيل، لكن الحقيقة عكس ذلك، فمن يعيد متابعة أطوار اللقاء بتمعن من البداية حتى النهاية وكذا مشوار المنتخب الوطني في التصفيات وطريقة لعبه يدرك جيدا أن فوزنا على ألمانيا كان منطقيا إلى أبعد الحدود.
هل صحيح أن المدرب روغوف هو من كوّن هذه التشكيلة، وإبعاده قبيل المونديال بأشهر كان ظلما في حقه؟
يجب أن نوضح الأمور.. هناك روغوف وأيضا رايكوف، الأخير مدرب جيد وحقق نتائج جيدة مع “الخضر”، لكن روغوف لم يكن يوما مدربا، وإنما هو إداري فقط، ولا يملك الفضل في بناء تشكيلة “الخضر”.. لقد تولى زمام العارضة الفنية في المباراة الأخيرة من التصفيات أمام نيجيريا، أين تمكنا من الفوز والتأهل، وحتى لو كان هناك مدرب آخر لكنا قد حققنا نفس الإنجاز، لا يمكن أن نتحدث عن مدرب حضر مباراة واحدة ونمنحه أكثر من حقه.
بعد النتائج الباهرة في 82، علقت عليكم آمال كبيرة للوصول إلى الدور الثاني على الأقل في مونديال المكسيك 86، لكنكم خيبتم الظن، والنتائج كانت سيئة، ما سبب ذلك؟
(يتنهد مطولا.. ثم يجيب وملامح الحسرة بادية على وجهه)، هذه النتائج سببها الضغوطات التي مورست على لاعبي المنتخب والمدرب رابح سعدان من طرف الهيئات السياسية في البلاد، المشاكل بدأت خلال كأس إفريقيا التي سبقت المنافسة العالمية بأشهر فقط، الاستراتيجية التي تم وضعها من طرف المدرب هي أن المنتخب الأول المشكل من الأساسيين والكوادر سيشارك في المونديال، والمنتخب الثاني الذي يضم بعض الاحتياطيين ولاعبي الآمال يشارك في كأس إفريقيا، لكن المسؤولين السياسيين لم يعجبهم الأمر، وفرضوا رأيهم على سعدان، حيث تقرر التنقل إلى كأس افريقيا بالمنتخب الأول، نحن اللاعبين حذرنا سعدان وقلنا له أنه في حالة ما إذا لم نتأهل للدور الثاني فالأهداف ستتحول لكأس العالم، وهو ما حدث، لكن السياسيين تدخلوا مجددا وأبعدوا اللاعبين الذين كانوا من أعمدة الفريق واستنجدوا بآخرين من الخارج مستواهم أقل بكثير من الذين تم التضحية بهم بحجة فشلنا في كأس إفريقيا، كما فرضوا ذلك على سعدان إلى جانب برنامج التحضيرات والمباريات الودية، لقد ذهبنا إلى كأس العالم بتحضيرات ومعنويات جد سيئة، تحدثنا كثيرا عن كأس العالم هذه قلنا أنها عبرة للأجيال، لكن للأسف لم نعتبر منها ونفس الأمر تكرر في 2010.
تقول أن اللاعبين المحترفين كانوا أقل مستوى من المحليين، هل أنت متأكد من ذلك؟
متأكد طبعا، حتى أن هؤلاء اللاعبين كانوا يثيرون الاشمئزاز ولا يملكون غيرة على الجزائر، في لقاء اسبانيا حين انهزمنا بثلاثية في آخر مباراة من مونديال المكسيك، دخل بن مبروك غرف حفظ الملابس وهو يضحك، واشتبك مع لخضر بلومي، كما أنهم كانوا يأتون إلى الجزائر وكأنهم ملوك، وبكل صراحة لا يحبون الجزائر.. غير مقبول تماما أن تجد لاعبا مثل بلومي في الاحتياط ولاعبا مثل بن مبروك أساسيا.
بعض زملائك وجهوا اتهاماتهم لوزير الشباب والرياضة الأسبق كمال بوشامة، ما قولك؟
لا أعتقد أن كمال بوشامة كان يتدخل في قرارات سعدان، هو إنسان مثقف ويملك شخصية قوية، شأنه شأن نائبه منتوري أنذاك، وإنما التدخل جاء من طرف سياسيين آخرين أعلى مستوى وقوة من شخص الوزير نفسه، كان هناك حزب واحد، والدولة هي التي تقرر كل شيء، لا أريد ذكر الأسماء، والشخص الذي أتحدث عنه، وكان نافذا في الدولة الجزائرية ويترأس الحزب الواحد (جبهة التحرير الوطني)، أظنكم عرفتموه هو رحل عنا، لذا من فضلكم أعفوني من الحديث عنه.. (كان يقصد الراحل شريف مساعدية).. سعدان كان أمام خيارين، فإما أن يستقيل ليؤكد على قوة شخصيته، وإما أن يرضخ لطلب المسؤولين ويواصل عمله ويفقد بذلك هيبته، هو اختار الحل الثاني ورأى أنه لا يمكن تضييع فرصة قيادة المنتخب الجزائري في منافسة بحجم المونديال، ففقد بذلك جزءا كبيرا من كرامته.
وماذا عن قضية المنحة المالية التي زعزعت استقرار المنتخب قبيل أيام عن المواجهة الأولى أمام ايرلندا؟
المشكل انطلق بعد قيام الاتحاد العربي لكرة القدم بتقديم منحة للاتحادية الجزائرية لكرة القدم، أنا شخصيا تحدثت مع صالح عصاد ورفضنا نحن اللاعبين استلام هذه المنحة، حيث اعتذرنا، وأكدنا لهذه الهيئة أن هناك دولة جزائرية هي التي تقدم على تحفيزنا ماديا..
(نقاطعه) لكن هناك أخبارا تشير إلى أن المسؤولين استلموا هذه المنحة ورفضوا توزيعها على اللاعبين، ما اضطركم لعقد اجتماع بالمكسيك مع رئيس الاتحادية مكيراش أنذاك؟
لا أتذكر أننا قمنا باجتماع في المكسيك، في ذلك الوقت أهم شيء كان بالنسبة لنا تمثيل الوطن، لم نكن نفكر تماما في قضية المنحة، عموما الدولة الجزائرية كانت تساعدنا في شتى المجالات، إذا لم تكن تمنحنا الأموال فإنها كانت تقدم لنا هدايا قيمة تتمثل في مساكن وسيارات وامتيازات أخرى كمساعدتنا وتسهل أمورنا في التجارة، كما أنه تم منحنا 19 ألف دولار كمنحة خلال مشاركتنا في مونديال 86 ورضينا بها، من يقول أن جيل الثمانينات لم يستفد من شيء فهو كاذب.
تطالعون في الجزء الثاني من هذا الحوار
الأسباب التي جعلت ڤندوز يغيب عن الظهور في التلفزيون العمومي لتحليل مقابلات “الخضر”، رده على مدرب المنتخب الوطني وحيد خاليلوزيتش بعد إهانة الأخير لتاريخ “الخضر”، وكذا علاقته برئيس الاتحادية محمد روراوة، إلى جانب العديد من الأمور.