“جيل الكمامة”.. كتاب يرصد زمنا تنفّس فيه الشباب الخوف بدل الهواء!
صدر للكاتبة والاعلامية سارة محمد مرزوقي كتابا جديدا يحمل عنوان” جيل الكمّامة”، حيث يرصد التحولات التي أحدثتها جائحة كورونا في الجزائر خاصة لدى فئة الشباب.
العنوان الذي اختارته الكاتبة ليس عابرا، بل يحمل رمزية واضحة، فـ”جيل الكمامة” لا يصف فقط فئة عمرية، بل يمثل حالة إنسانية تشكّلت في زمن الخوف والعزلة، جيل وُلد من رحم الأزمة، وبدأ وعيه في عالم محجوب بالكمامات والقيود الصحية.
العمل لا يكتفي بالتوثيق للمرحلة الصحية الحرجة، بل يتجاوزها إلى تحليل نقدي للسلوك الجمعي، وما تركته الجائحة من آثار نفسية واجتماعية عميقة.
واستطاعت سارة مرزوقي أن تمزج بين السرد التوثيقي والتحليل النفسي والاجتماعي لتقدّم صورة شاملة لما يمكن تسميته “مرحلة إعادة تشكيل الوعي الجماعي”.
كما يتناول الكتاب في أحد فصوله موضوع العزلة والتباعد الاجتماعي، وكيف تحوّل البيت إلى مركز لكل تفاصيل الحياة اليومية، بعد أن كان فضاءً للراحة، أصبح المدرسة، والمكتب، والمقهى، ومسرح اللقاءات الافتراضية.
هذا التحول غيّر نظرتنا للمكان واللقاءات الأسرية، وأعاد ترتيب العلاقة بين الفرد وفضائه الخاص.
وخصّصت الكاتبة فصلا آخر لتجربة التعليم والعمل الإلكتروني، كاشفة انعكاساتها على التلاميذ والطلبة والموظفين، فقد ولّدت التجربة انفتاحا تقنيا غير مسبوق، لكنها كشفت أيضا هشاشة البنية الرقمية والنفسية على حدّ سواء، إذ وجد الكثيرون أنفسهم أمام شاشات باردة تفتقر لدفء التفاعل الإنساني.
كما رصد الكتاب أيضا مظاهر القلق الجماعي التي رافقت الجائحة، من الخوف من العدوى والموت، إلى الإحساس بفقدان السيطرة على المستقبل، الامر الذي ولّد حالة هشاشة نفسية واجتماعية جماعية، جعلت الإنسان أكثر وعيا بمحدوديته، وأقل ثقة في استقرار العالم من حوله.
ورغم تركيز الكتاب على الواقع الجزائري، إلا أنه لم يعزل التجربة المحلية عن بعدها الإنساني الكوني، فقد كانت الجائحة حدثا عالميا أعاد تعريف معنى الأمان، والحرية، والاتصال، والمجتمع، ومن هنا تأتي أهمية الكتاب، إذ يربط المحلي بالعالمي، في رؤية إنسانية تؤكد أن ما حدث في الجزائر هو صدى لما حدث في العالم بأسره.
ينتهي “جيل الكمامة” بدعوة للتفكير فيما بعد كورونا، كيف غيّرت الأزمة نظرتنا لأنفسنا وللآخرين؟ ما الذي بقي من زمن الخوف؟ وما الذي تغيّر في علاقاتنا وأولوياتنا؟ هذه الأسئلة المفتوحة جعلت هذا الكتاب أكثر من مجرد شهادة زمنية، بل وثيقة فكرية تضع القارئ أمام مرآة ذاته وتدعوه للتأمل في ملامح جيل يعيش تحوّلات غير مسبوقة.