الجزائر
قابضون منحرفون وسائقون متهورون يحكمون قبضتهم عليها

حافلات نقل المسافرين للخواص.. إمبراطورية خارج القانون

الشروق أونلاين
  • 19133
  • 61
ح. م

تمر أكثر من سنة ونصف منذ أن بدأت وزارة النقل في تطبيق التسعيرة الجديدة في النقل الحضري للحافلات وسيارات الأجرة، وهذا مطلع سنة 2013 والتي أفرزت وقتَها حالةًً من الاستنكار والاستياء من طرف المواطنين البسطاء، خاصة ما تعلق بتسعيرة الناقلين الخواص، حيث لم يجدوا مبررا لها، لأن التسعيرة عند معظمهم كانت مرتفعة من قبل وبطريقة غير قانونية، كما أنه ليس هناك ما يقابلها من توفير القدر المستطاع من الراحة والرفاهية للزبون داخل الحافلة.

لكن وزارة النقل يومها طمأنت المواطنين وأكدت أن هذه الزيادات هي في صالح المواطن، ولها ما يقابلها من تحسين الخدمات، وهو الشرط الاساسي الذي أوجبت تطبيقه على الناقلين، كما توعدت بالصرامة في التعامل مع من يخالف هذا الشرط، بتنصيب مفتشين لمراقبة مستوى الخدمات المقدمة للمواطن والتجاوزات التي ترتكب في حقه.

وتمر الأيام والشهور والسنة وزيادة، لكن لا شيء من ذاك لم تحقق، على العكس صار المواطنون يتجرعون المزيد من ويلات النقل سواء ما تعلق بسلوكيات القباضين وطريقة تعاملهم الفضة مع الزبائن وشكل هندامهم المُقرف أو ما تعلق بعدم احترام سائق الحافلة لقانون المرور واضعا حياة الركاب في خطر بسبب السرعة المفرطة والتسارع إلى ملء الحافلة عن آخرها غير آبهٍ بوضع المسنين و النساء الحوامل، أو فيما تعلق بحالة الحافلات غير النظيفة، فهي أقرب إلى الخرابة فضلا عن المقاعد غير المريحة والممزقة والغبار المتطاير من هنا وهناك. 

باختصار صار النقل الخاص في الجزائر أشبه بالكابوس المخيف..

من خلال جولة استطلاعية للشروق اليومي في بعض محطات النقل بالعاصمة استطعنا الوقوف على مدى حالة المعاناة والبؤس التي يتكبدها المواطنالزواليالذي يلعن حظه ألف مرة على حاله بعدما لم يجد من خيار سوى استقلال الحافلات الخاصة لقضاء مصالحه في ظل ضعف خدمات النقل العمومي.

 

محطات الحافلات.. شر البقاع! 

كانت وجهتنا محطة بن عكنون للنقل الحضري بأعالي العاصمة، وهي إحدى أهم المحطات التي يقصدها المسافرون باتجاه نواحٍ عدة من العاصمة مثل القبة، الأبيار، ساحة الشهداء، الشراڤة، دالي ابراهيم، درارية وغيرها..

بمجرد ولوجك المحطة ذات المساحة الضيقة تصادفك مجموعة من الحافلات المصطفة بطريقة عشوائية.. حالة من الفوضى العارمة، أصواتٌ عالية وصراخ وكأنها أصوات الصخابين بالأسواق تنبعث من كل اتجاه.. هي أصوات القابضين (الروسوفور).. كل ينادي على وجهته.. ذاك ينادي درارية.. العاشور، والآخر القبة.. ڤاريدي، وذاك ساحة الشهداء الأبيار.. وغيرها

هم شباب في العشرينات من العمر يرتدون ألبسة لا تمت بصلة إلى نوعية عملهم كقباضين، فمنهم من يرتدي ألبسة رياضية وآخرون يرتدون سراويل قصيرة أو شورتات وشباشب” (بليغة أو كلاكيت) تلمس من خلال لهجة كلامهم نوعا من العدوانية يختلجك خلالها إحساس وكأنك تحت رحمتهم.. كل يريد أن تركب حافلته بدون أن يعلم وجهتك.. بل هناك من يقبض ذراعك أو كتفك مخاطبا إياكاطلع اطلع..  راه رايح..” وأنت في الحقيقة لا تمثل بالنسبة إليهم سوى قطعة نقدية من فئة 20 دج  . 

أما مشاهد المعاكسات والتحرشات اللفظية بالجنس اللطيف  – للأسفحاضرة بقوة، فالنساء لا يسلمن من معاكساتهم، خاصة وأنهن مجبرات على استقلال هذه الحافلات من أجل التنقل إلى مقار عملهن أو لقضاء حاجيتهن من تسوق أو دراسة، لكن وجدن أنفسهن أمام ذئاب بشرية، (إلا من رحم ربك وعددهم نادر) فهم لا يفرقون بين المرأة العازبة والمتزوجة وبين المتحجبة وغير المتحجبة! كلهن في وعاء واحد، حتى الحامل فتحظى بنصيب من الكلام الخادش للحياء.

كل هذا والمواطنون في حالة زحام وملامح الغبن والميزيريةبادية على محياهم منتظرين قدوم حافلة فارغة ليهرعوا لامتطائها وسط تدافع وتزاحم رهيب، علهم يحظون بمقاعد فيها، على الأقل يضمنون الجلوس بجنب النافذة متفادين حالة الاختناق جراء ضيق التنفس وانبعاث الروائح الكريهة التي لا يمكنك تمييزها، فهي مزيج مكون من رائحة العرق والأحذية والعطور زيادة على رائحة المازوت أو البنزين المنبعث من محركات الحافلات..

فعلا هي حالة من البؤس يرِقّ لها حال العدو، كيف لا وأنت تشاهد أناسا فقدوا آدميتهم، فهم أشبه بالسردين في علبة.

 

إذا ركبت الحافلة فانسَ آدميتك وكرامتك!

ما إن تمتطي الحافلة إلا وتبدأ المشاكل والشجارات مع السائق والقابض.. فالسائق لا ينطلق إلا اذا ملأ الحافلة عن آخرها ولو تطلب الأمر منه ساعة من الزمان، غير مُبالٍ باحتجاجات الزبائن رغم انه قد ضمن الحد الكافي من عدد المسافرين ليغادر المحطة وقد تخطى كذلك الـ 15 دقيقة (وهو الزمن الأقصى الذي حددته وزارة النقل لانطلاق الحافلة).

 يقولالصادقشاب في العشرينيات وجدناه واقفا بجانب موقف خط الشراڤة ينتظر قدوم حافلة غير مزدحمة: “غريب أمر هؤلاء.. تجدهم  يملؤون الحافلة عن آخرها بالمواطنين مرددين عباراتخويا زيد افونسيي لاريار(يقصدون تقدم إلى الأمام)” ..”اختي كاين ليسباس ادناي” .. ” مادام شدي وليدك قدامك خلي كاش واحد يريح” .. وغيرها من العبارات التي تثير الاشمئزاز فهم يقومون بتكديس الركاب وكأنهم يملؤون صناديق بطاطا ولا يغادرون المحطة حتى يشاهدوا الأشخاص ملتصقين ببعضهم .. رغم أن هناك في انتظرهم ركابا آخرين في نقاط توقف أخرى، ففي خط بن عكنونالشراڤة.. لا تنطلق الحافلة إلا إذا كانت مملوء عن آخرها وعند وصول أول نقطة توقف وهي محطة عين الله فينزل شخص أو اثنان لتجد العشرات من الناس يرغبون في الركوب.. لكن لا مكان.. يواصل الصادق كلامه : فلو انطلقت الحافلة غير ممتلئة لكان بإمكان هؤلاء المواطنين الركوب.. صراحة أصحاب الحافلات يفتقدون للذكاء فلو فكروا بعقلانية لكان أنجع لهم وسيقتصدون الوقت الكثير بدل انتظارهم الطويل في المحطة الرئيسية.. هداهم الله.

هذا وقد سألنا أحد القباضين (وليتنا لم نسأله) عن سبب كل هذا فأجابنا بطريقة عنيفة انه ينهض عند الـسادسة صباحا لكي يعمل ليس ليلعب ومدخوله اليومي مرتبط بعدد الركاب لا غير.. ولو استطاع وضع طابق ثان لفعل..

 

تجاوزات القابض لا حدود لها

قد لا تشكل مسألة عدم تقديم التذكرة تجاوزا خطيرا بالنسبة إلى الزبون، فهي أهون أمام ما يجابهه من تجاوزات أخرى، فصار المواطن حريصا جدا على أن لا يقدم للقابض ورقة نقدية من صنف 500 دج أو 1000 دج أو 2000 دج فتجده في رحلة بحث عن الصرفقبل صعود الحافلة يتجنب بها الوقوع في صدام مع القابض الذي ما إن يرى الورقة حتى يبدي امتعاضا وتأففا بحجة عدم امتلاكه الصرفإلا أنه يقضبها واعدا بتقديم الصرف في قبل نزول الراكب.. لكن هيهات.. ففي معظم الأحيان تجد القابض فارا بالنقود، واذا ما استفسره الراكب عن الصرف يدعي نسيانه وأحيانا أخرى يُنكر استلامه لورقة نقدية من طرفه، لتحدث جراءها ملاسنات كلامية تتطور إلى شجار وأحيانا إلى ما هو أبشع

في محطة بن عكنون دائما وبجانب الموقف المؤدي إلى درارية وجدنا سيدة متقدمة في السن وهي جد حيرانة وقلقة وعيناها تلتفت يمينا وشمالا.. فلما استفسرناها عن سبب ذلك قالت إنها في انتظار حافلة كانت قد امتطتها منذ ساعتين باتجاه محطة العاشور وعند نزولها نسيت أخذ الصرفمن  عندالروسوفورحيث قدمت له ورقة 1000 دج فأرجع لها 98 دج فقط ووعدها بتقديم 900 دج قبل نزولها.. ولكنها نسيت ونزلت بدون أخذ المبلغ.. لتتذكر ذلك حين قصدت الصيدلي لشراء الدواء فلم تجد النقود الكافية، فنصحها أحد المحسنين بالعودة الى محطة بن عكنون علها تجد هناك القابض خاصة انها تتذكر ملامحه جيدا، راجية الله أن لا ينكرها ويخذلها.                

 

سائق الحافلة.. خارج عن القانون

المتأمل في طريق قيادة سائق الحافلة يدرك أنه ليس أمام سائق طبيعي وإنما أمام عقلية ميزاجية تسوق وفق أهوائها وتخضع إلى معايير لا يجد لها العقل تفسيرا، فالسائق في كامل حريته يقف متى شاء وأين شاء.. يجري بسرعة جنونية في سباق مع حافلة أخرى متسارعيْن أيهما يصل الأول إلى المحطة النهائية، خارقين قوانين السير غير آبهين بالركاب سواء كانوا رجالا أو نساء أو أطفالا أو مرضى أو نساء حوامل.. حتى لو كلفهم الأمر تجاوز عدة مواقف بها أناس ينتظرون ركوب الحافلة.. فتجد السائق يمر عليهم بسرعة البرق وكأنهم غير مرئيين.. وإذا طلب أحد الركاب النزول يسأله لماذا لم يخبره من قبل، فيضطر لإنزاله والحافلة لا تزال تسير، وقد حدث وأن سقط الكثير منهم وأصيبوا بإصابات بليغة.

على نقيض كل هذا تجد السائق نفسه، وفي أوقات أخرى يسير ببطء كبير، يتوقف في كل لحظة ولمدة طويلة والقباض ينادي الناس وكأنه يترجاهم لركوب حافلاته مثيرا سخرية واستهزاء الركاب فتجدهم يضحكون مخاطبين إياهلا لا روح هبطهم من الدار خير.. يا خي جيعان.

 

سائقون وقباضون مهلوسون وبأسلحة بيضاء 

صرح الكثير من المواطنين الذين التقيناهم في محطة بن عكنون أن ملاك الحافلات لا ينتقون أشخاصا محترمين كي يعملوا قباضين أو سائقين، ولا يجرون لهم اختبارا معرفيا إن كانوا مؤهلين لهذه المهنة أم لا،  فمعظمهم من المعارف وأصحاب الشوارع، لذلك تجد البعض منهم من متعاطي المخدرات والمهلوسات، بل هناك من يحمل أسلحة بيضاء. يحدث هذا في ظل قطاع حساس ذي تفاعل واحتكاك مع المسافرين.. وعليه صار الزبون يتفادى إلى أقصى حد الوقوع في ملاسنات كلامية أو مشادة مع القابض أو السائق تجنبا لوقوع المشاكل وسماع السب والكلام الفاحش، خصوصا اذا كان الشخص برفقة عائلته، فكثيرا ما شاهدنا شجارات يكون القباضون والسائقون طرفا فيها وهممزطولونومتناولون أقراصا مهلوسة حاملين أسلحة بيضاء ويطلقون العنان لأسنتهم ناطقة بسب الذات الإلهية والكلام الفاحش.

 

حافلات لا تزال تشتغل منذ العصر الحجري

وتبقى مسألة الحافلات التي تشتغل بها بعض المحطات لها نصيبها من النقد.

 تركنا محطة بن عكنون وخرجنا قليلا عن العاصمة وضواحيها واتجهنا إلى محطات بمومعطي بالحراش والكاليتوس والأربعاء وغيرها .. بمجرد دخولك إياها يتهيأ لك وكانك قادم إلى مدينةقندهارالأفغانية المدمرة جراء الحرب، فالأرضية غير مهيأة وفي حالة اهتراء قصوى.. غبار يتطاير، قمامات هنا وهناك، أما الحافلات فهي قديمة في مجملها تعود الى سنوات طِوال تفتقد الى الصيانة لا  تلبي متطلبات المسافرين ورفاهيتهم، على غرار المقاعد المكسرة ذات الأغلفة الممزقة. كل هذا دون الحديث عن عن الأعطاب التي تصيب هذه المركبات مجبرة الركاب على النزول وتدبُر أمرهم

 

أين وزارة النقل من كل هذا؟

أمام هذه الوضعية البائسة فإن المواطن الجزائري المغلوب على أمره والذي لا يملك ثقافة التبليغ لمصالح الأمن يحاول جاهدا للبحث عن منفذ للخروج من هذا الجحيم  فأحيانا وفي بعض الحالات الاستعجالية تجده مجبرا على الهروب من الحافلة والاتجاه الى اكتراء سيارة أجرة إن استطاع إليها سبيلا وهو يحمل ذرة من الأمل في أن يرى يوما واحدا في حياته يستطيع فيه أن يركب حافلة بدون أن يفقد آدميته وكرامته..

كل هذا في انتظار توفير وزارة النقل استراتيجية عقلانية ذات فعالية ومتابعة وتوفير سلطة ضبط تقوم بتنظيم ومراقبة ومتابعة دورية لقطاع النقل الخاص ومعاقبة كل من يخالف قوانيه، وكذا توفير المزيد من الحافلات العمومية وتمديد خطي الميترو والترامواي إلى مسافات أطول وزيادة خطوط التيليفيريك ومشاريع السكك الحديدية الجديدة.

مقالات ذات صلة