اقتصاد
النادي الاقتصادي الجزائري يتطلع إلى "ما بعد تسهيل الإجراءات"

“حان وقت تحويل الاستثمار من تراخيص إلى مصانع”

إيمان كيموش
  • 125
  • 0
ح.م

يرى النادي الاقتصادي الجزائري أن الإصلاحات التي تعرفها منظومة الاستثمار في الجزائر يجب ألا تتوقف عند تسهيل الإجراءات وتقليص آجال الحصول على التراخيص، وإنما ينبغي أن تكون مقدمة لتحوّل أوسع نحو اقتصاد منتج، تكون فيه الاستثمارات قادرة فعليًّا على خلق القيمة ومناصب الشغل وتعزيز الإنتاج المحلي والتصدير.
وفي قراءة للنادي، اطلعت عليها “الشروق”، في مضامين العدد الأول من مجلة “استثمار” (Investment.dz) الصادرة عن الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار في جويلية 2026، يبرز التوجه نحو تسهيل الاستثمار وتقريب الإدارة من المستثمر، وتعزيز فعالية الشباك الوحيد، إلى جانب تبسيط إجراءات الحصول على العقار الاقتصادي والوثائق والتراخيص، باعتبارها خطوات مهمة في مسار تحسين مناخ الأعمال.
ويضع النادي الاقتصادي الجزائري العلاقة بين المستثمر والإدارة في صلب هذه الإصلاحات، معتبرا أن المستثمر لا ينبغي أن يبقى في مواجهة مجموعة من الإدارات المنفصلة، ينتقل بينها بحثا عن وثيقة أو ترخيص، أو ينتظر طويلا بسبب تعدد المتدخلين وبطء التنسيق بينهم. ولذلك، فإن جمع مختلف الإدارات المعنية بالاستثمار ضمن مسار أكثر تنسيقا، وتعزيز صلاحيات الشباك الوحيد، يمثلان في نظر النادي خطوة أساسية نحو إدارة أكثر سرعة وفعالية.
ولا ينظر النادي إلى تسريع الإجراءات باعتباره مجرد مسألة إدارية، فكل يوم يتم اختصاره في مسار الترخيص يمكن أن يعني، اقتصاديا، يوما إضافيا من الإنتاج، وفرصة أسرع لخلق مناصب الشغل والقيمة المضافة ودخول رأس المال حيز النشاط. ومن هنا، فإن تحسين العلاقة بين المستثمر والإدارة ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لتسريع تنفيذ المشاريع، وليس غاية في حد ذاتها.
لكن النادي الاقتصادي الجزائري يطرح في المقابل سؤالا آخر: ماذا بعد تسهيل الاستثمار؟ فالمرحلة المقبلة، حسب هذه الرؤية، يجب أن تضمن انتقال المشاريع من مرحلة الحصول على التراخيص والعقار إلى مرحلة الإنتاج الفعلي. ولذلك فإن تبسيط إجراءات الاستثمار ينبغي أن يترافق مع سياسة تجعل من كل مشروع استثماري، وخاصة المشاريع الصناعية، جزءا من منظومة إنتاجية أوسع.
وفي هذا السياق، يشدد النادي على أهمية العقار الاقتصادي، معتبرا أن توفير العقار لا ينبغي أن يكون هدفا قائما بذاته، وإنما أداة لتنفيذ السياسة الصناعية. ولذلك يجب أن تتجه الأولوية، في تقديره، إلى المشاريع القادرة على الإنتاج وخلق مناصب الشغل وتحقيق الإدماج المحلي وفتح آفاق التصدير.
ومن العقار إلى المناولة الصناعية، يحدد النادي حلقة أخرى يعتبرها أساسية لربط الاستثمار بالإنتاج الوطني. فالاستثمارات الصناعية الكبرى لن تحقق كامل أثرها على الاقتصاد الجزائري إذا ظلت تعتمد بدرجة كبيرة على سلاسل توريد خارجية، وهو ما يجعل تطوير شبكة وطنية من المؤسسات المناولة المؤهلة أحد الشروط الأساسية لتعميق التصنيع.
ويتمثل الرهان، حسب النادي، في بناء نسيج من المؤسسات الجزائرية القادرة على إنتاج المكونات والخدمات الصناعية بالجودة والتكلفة والآجال التي تتطلبها المصانع الكبرى، بما يسمح بتحويل الاستثمار الكبير إلى محرك لسلسلة كاملة من المؤسسات المحلية، وليس مجرد وحدة إنتاج منفصلة.
ويبرز قطاع السيارات وقطع الغيار، في هذا الإطار، كأحد المجالات التي يمكن أن تتجسد فيها هذه الرؤية، من خلال تطوير صناعات المكونات الميكانيكية والبلاستيكية والكهربائية والإلكترونية والختم المعدني وغيرها، مع رفع مستوى الإدماج المحلي تدريجيا.
ويرى النادي أن بناء صناعة سيارات حقيقية لا يرتبط فقط بإنشاء مصانع لتركيب المركبات، وإنما بقدرة الاقتصاد الوطني على إنتاج أكبر قدر ممكن من مكوناتها وخدماتها محليا، وخلق شبكة من المناولين القادرين على تلبية احتياجات هذه الصناعة، بما يوسع قاعدة الإنتاج ويقلص الاعتماد على الخارج.
ويتصل ذلك مباشرة بملف إحلال الواردات، حيث يلفت النادي الاقتصادي الجزائري إلى دراسة أوردها العدد الأول من المجلة حول إمكانية تعويض نسبة معتبرة من الواردات بالإنتاج المحلي. ويرى أن تحقيق ذلك يتطلب الانتقال من مجرد الدعوة إلى تقليص الواردات إلى إعداد خريطة وطنية دقيقة لإحلال الواردات.
وتقوم هذه الخريطة، حسب النادي، على تحديد المنتجات التي يمكن تصنيعها في الجزائر، والمؤسسات القادرة على إنتاجها، والتكنولوجيا اللازمة لذلك، واحتياجات المشاريع من التمويل والمناولة والمواد والخبرات، بما يسمح بتحويل حاجات السوق الوطنية إلى فرص استثمارية وصناعية حقيقية.
وبهذه المقاربة، يمكن أن يتحول الاستثمار من مشروع منفرد إلى منظومة اقتصادية تخلق حوله مؤسسات مناولة وموردين ومناصب شغل وقيمة مضافة، قبل أن تنتقل هذه المنظومة من تلبية احتياجات السوق الوطنية إلى البحث عن أسواق خارجية.
ويضع النادي الاقتصادي الجزائري بذلك تصورا واضحا للمرحلة المقبلة: الانتقال من تسهيل الترخيص إلى تسريع الإنتاج، ومن توفير العقار إلى استغلاله اقتصاديا، ومن جذب الاستثمار إلى بناء الصناعة، ومن الاستيراد إلى المناولة والإنتاج المحلي، ومن التركيز على السوق الوطنية إلى التوجه نحو التصدير، خاصة نحو الأسواق الإفريقية.
ويعتبر النادي أن الاختبار الحقيقي لنجاح الإصلاحات لن يكون فقط في سرعة معالجة الملفات ومنح التراخيص، وإنما في قدرة المشاريع التي تستفيد من هذه التسهيلات على الدخول الفعلي في الإنتاج، وخلق مناصب الشغل، ورفع القيمة المضافة، وتقليص الواردات، وتعزيز الصادرات.
وبذلك، فإن إصلاح الإدارة، في رؤية النادي الاقتصادي الجزائري، لا يمثل نهاية مسار الإصلاح، وإنما بدايته؛ فالهدف النهائي هو بناء منظومة تجعل المستثمر شريكا في الإنتاج الوطني، وتربط الاستثمار بالمناولة والصناعة وإحلال الواردات والتصدير، بما يحول سهولة الاستثمار إلى قدرة إنتاجية حقيقية واقتصاد أكثر تنافسية.

مقالات ذات صلة